ابن الأثير

11

الكامل في التاريخ

وأنشب النّعمان القتال بعد حطّ الأثقال ، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجال وإنّهم انجحروا [ 1 ] في خنادقهم يوم الجمعة ، وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء اللَّه ، والفرس بالخيار لا يخرجون إلّا إذا أرادوا الخروج ، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم ، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمّع [ 2 ] أهل الرأي من المسلمين وقالوا : نراهم علينا بالخيار . وأتوا النعمان في ذلك فوافوه وهو يروي في الّذي رووا فيه فأخبروه ، فبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي فأحضرهم ، فتكلّم النعمان فقال : قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم وأنّهم لا يخرجون إلينا إلّا إذا شاءوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم ، وقد ترون الّذي فيه المسلمون من التضايق ، فما الرأي الّذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل ؟ فتكلّم عمرو بن ثني ، وكان أكبر الناس ، وكانوا يتكلّمون على الأسنان ، فقال : التحصّن عليهم أشدّ من المطاولة عليكم فدعهم وقاتل من أتاك منهم . فردوا عليه رأيه . وتكلّم عرمو بن معديكرب فقال : ناهدهم وكابرهم ولا تخفهم ، فردّوا جميعا عليه رأيه وقالوا : إنّما يناطح بنا الجدران وهي أعوان علينا . وقال طليحة : أرى أن نبعث خيلا لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا فإنّا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم ، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي اللَّه فيهم وفينا ما أحبّ . فأمر [ النعمان ] القعقاع بن عمرو ، وكان على المجرّدة ، فأنشب القتال ،

--> [ 1 ] انحجروا . [ 2 ] يجتمع .