ابن الأثير
480
الكامل في التاريخ
وأمّا عمرو فإنّه أغار أسفل المخاضة ورجع ، وخرج مسعود بن مالك الأسديّ وعاصم بن عمرو وابن ذي البردين الهلالي وابن ذي السهمين وقيس ابن هبيرة الأسديّ وأشباههم فطاردوا القوم ، فإذا هم لا يشدّون ولا يريدون غير الزحف ، فقدموا صفوفهم وزاحفهم النّاس بغير إذن سعد ، وكان أوّل من زاحفهم القعقاع ، وقال سعد : اللَّهمّ اغفرها له وانصره فقد أذنت له إن لم يستأذنّي . ثمّ قال : أرى الأمر ما فيه هذا ، فإذا كبّرت ثلاثا فاحملوا ، وكبّر واحدة فلحقهم أسد ، فقال : اللَّهمّ اغفرها لهم وانصرهم . ثمّ حملت النّخع فقال : اللَّهمّ اغفرها لهم وانصرهم . ثمّ حملت بجيلة فقال : اللَّهمّ اغفرها لهم وانصرهم . ثمّ حملت كندة فقال : اللَّهمّ اغفرها لهم وانصرهم . ثمّ زحف الرؤساء ورحى الحرب تدور على القعقاع ، وتقدّم حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار وطليحة وغالب وحمّال وأهل النجدات ، ولما كبّر الثالثة لحق النّاس بعضهم بعضا وخالطوا القوم واستقبلوا اللّيل استقبالا بعد ما صلّوا العشاء ، وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح ، وأفرغ اللَّه الصبر عليهم إفراغا ، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها ، ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قطّ ، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم ، وأقبل سعد على الدعاء ، فلمّا كان عند الصبح انتمى النّاس فاستدلّ بذلك على أنّهم الأعلون ، وكان أوّل شيء سمعه نصف اللّيل الباقي صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول : نحن قتلنا معشرا وزائدا * أربعة وخمسة وواحدا نحسب فوق اللّبد الأساودا * حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا اللَّه ربّي واحترزت عامدا وقتلت كندة تركا الطبريّ ، وكان مقدّما فيهم .