ابن الأثير
469
الكامل في التاريخ
ذكر يوم أرماث لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة وعبّى في القلب ثمانية عشر فيلا عليها صناديق ورجال وفي المجنّبتين ثمانية وسبعة ، وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته ، والفيرزان بينه وبين ميسرته ، وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم رجالا على كلّ دعوة رجلا ، أوّلهم على باب إيوانه وآخرهم مع رستم ، فكلّما فعل رستم شيئا قال الّذي معه للذي يليه : كان كذا وكذا ، ثمّ يقول الثاني ذلك للذي يليه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت . وأخذ المسلمون مصافّهم . وكان بسعد دماميل وعرق النسا فلا يستطيع الجلوس ، إنّما هو مكبّ على وجهه في صدره وسادة على سطح القصر يشرف على النّاس والصفّ في أصل حائطه ، لو أعراه [ 1 ] الصفّ فواق ناقة لأخذ برمّته ، فما كرثه [ 2 ] هول تلك الأيّام شجاعة ، وذكر ذلك النّاس ، وعابه بعضهم بذلك فقال : نقاتل حتى أنزل اللَّه نصره * وسعد بباب القادسيّة معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهنّ أيّم فبلغت أبياته سعدا فقال : اللَّهمّ إن كان هذا كاذبا وقال الّذي قاله رياء وسمعة فاقطع عني لسانه ! فإنّه لواقف في الصّفّ يومئذ أتاه سهم غرب فأصاب لسانه فما تكلّم بكلمة حتى لحق باللَّه تعالى . فقال جرير بن عبد اللَّه نحو ذلك أيضا ، وكذلك غيره ، ونزل سعد إلى النّاس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح في فخذيه وأليتيه ، فعذره النّاس وعلموا حاله ، ولما عجز عن
--> [ 1 ] تعزّاه . [ 2 ] ( كرث الغمّ فلانا : اشتدّ عليه وبلغ منه المشقّة ) .