ابن الأثير

457

الكامل في التاريخ

فارداد ، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الّذي كنّا عليه من العداوة والضيق ، ثمّ أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسّن الحسن وقبّح القبيح كلّه ، فإن أبيتم فأمر من الشرّ هو أهون من آخر شرّ منه الجزية ، فإن أبيتم فالمناجزة ، فإن أجبتم إلى ديننا خلّفنا فيكم كتاب اللَّه وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم ، وإن بذلتم الجزاء قبلنا ومنعناكم ، وإلّا قاتلناكم . فتكلّم يزدجرد فقال : إنّي لا أعلم في الأرض أمّة كانت أشقى ولا أقلّ عددا ولا أسوأ ذات بين منكم ، قد كنّا نوكّل بكم قرى الضواحي فيكفوننا أمركم ، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس [ 1 ] ، فإن كان غرر لحقكم فلا يغرنّكم منّا ، وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملّكنا عليكم ملكا يرفق بكم . فأسكت القوم ، فقام المغيرة بن زرارة فقال : أيّها الملك إنّ هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف ، وإنّما يكرم الأشراف ويعظّم حقّهم الأشراف ، وليس كلّ ما أرسلوا به قالوه ، ولا كلّ ما تكلّمت به أجابوك عليه ، فجاوبني لأكون الّذي أبلغك وهم يشهدون على ذلك لي ، فأمّا ما ذكرت من سوء الحال فهي على ما وصفت وأشدّ ، ثمّ ذكر من سوء عيش العرب وإرسال اللَّه النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، إليهم نحو قول النعمان وقتال من خالفهم أو الجزية ، ثمّ قال له : اختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك . فقال : لولا أنّ الرسل لا تقتل لقتلتكم ! لا شيء لكم عندي . ثمّ استدعى بوقر من تراب فقال : احملوه على أشرف هؤلاء ثمّ سوقوه حتى يخرج من

--> [ 1 ] للفارس .