ابن الأثير
344
الكامل في التاريخ
شيئا ، فظهر بين النّاس أنّ السلاح لا يعمل فيه ، فكثر جمعه . ومات النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وهم على ذلك ، فكان طليحة يقول : إنّ جبرائيل يأتيني ، وسجّع للنّاس الأكاذيب ، وكان يأمرهم بترك السجود في الصلاة ويقول : إنّ اللَّه لا يصنع بتعفّر وجوهكم وتقبّح أدباركم شيئا ، اذكروا اللَّه أعفة قياما ، إلى غير ذلك ، وتبعه كثير من العرب عصبية ، فلهذا كان أكثر أتباعه من أسد وغطفان وطيِّئ . فسارت فزارة وغطفان إلى جنوب طيبة ، وأقامت طيِّئ على حدود أراضيهم وأسد بسميراء ، واجتمعت عبس وثعلبة ابن سعد ومرّة بالأبرق من الرّبذة ، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة ، فلم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين ، أقامت فرقة بالأبرق ، وسارت فرقة إلى ذي القصّة ، وأمدّهم طليحة بأخيه حبال ، فكان عليهم وعلى من معهم من الدّئل وليث ومدلج ، وأرسلوا إلى المدينة يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة ، فقال أبو بكر : واللَّه لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه . وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة وردّهم ، فرجع وفدهم ، فأخبروهم بقلّة من في المدينة وأطمعوهم فيها . وجعل أبو بكر بعد مسير الوفد على أنقاب [ 1 ] المدينة عليّا وطلحة والزّبير وابن مسعود ، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد خوف الغارة من العدوّ لقربهم ، فما لبثوا إلّا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة مع اللّيل وخلّفوا بعضهم بذي حسي ليكونوا لهم ردءا ، فوافوا ليلا الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم ، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر ، فخرج إلى أهل المسجد على النواضح ، فردّوا العدوّ واتّبعوهم حتى بلغوا ذا حسي ، فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وفيها الحبال ، ثمّ دهدهوها على الأرض ، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ورجعت بهم إلى المدينة ولم يصرع مسلم .
--> [ 1 ] أنصار . ( والأنقاب ، واحدها النّقب : الطريق في الجبل ) .