ابن الأثير
319
الكامل في التاريخ
قال الفضل : فأخرجته حتى جلس على المنبر فحمد اللَّه ، وكان أوّل ما تكلّم به النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أن صلّى على أصحاب أحد فأكثر واستغفر لهم ، ثمّ قال : أيّها النّاس إنّه [ 1 ] قد دنا مني حقوق من بين أظهركم ، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد [ 2 ] منه ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد [ 2 ] منه ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخش الشحناء من قبلي فإنّها ليست من شأني ، ألا وإنّ أحبّكم إليّ من أخذ مني حقّا إن كان له أو حلّلني فلقيت ربّي وأنا طيّب النفس . ثمّ نزل فصلّى الظهر ثمّ رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى . فادّعى عليه رجل بثلاثة دراهم ، فأعطاه عوضها . ثمّ قال : أيّها النّاس من كان عنده شيء فليؤدّه ولا يقل فضوح [ 3 ] الدّنيا ، ألا وإنّ فضوح [ 3 ] الدنيا أهون من فضوح [ 3 ] الآخرة . ثمّ صلّى على أصحاب أحد واستغفر لهم ، ثمّ قال : إنّ عبدا خيّره اللَّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده . فبكى أبو بكر وقال : فديناك بأنفسنا وآبائنا ! فقال رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم : لا يبقينّ في المسجد باب إلّا باب أبي بكر فإنّي لا أعلم أحدا أفضل في الصحبة عندي منه ، ولو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوّة الإسلام . ثمّ أوصى بالأنصار فقال : يا معشر المهاجرين أصبحتم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد ، والأنصار عيبتي التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم . قال ابن مسعود : نعى إلينا نبيّنا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر . فلمّا دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فنظر إلينا فشدّد ودمعت عيناه وقال : مرحبا بكم ، حيّاكم اللَّه ، رحمكم اللَّه ، آواكم اللَّه ، حفظكم اللَّه ، رفعكم اللَّه ،
--> [ 1 ] ان . [ 2 ] فليستنقذ . [ 3 ] نضوح .