ابن الأثير
196
الكامل في التاريخ
تخلّف عن العسكر لحاجته ، فلم يبت مع الناس ، فلمّا رأى سوادي أقبل حتى وقف عليّ فعرفني ، وكان رآني قبل أن يضرب الحجاب ، فلمّا رآني استرجع وقال : ما خلّفك ؟ قالت : فما كلّمته ، ثمّ قرّب البعير وقال : اركبي . فركبت ، وأخذ برأس البعير مسرعا . فلمّا نزل الناس واطمأنّوا طلع الرجل يقودني ، فقال أهل الإفك [ فيّ ] ما قالوا ، فارتعج [ 1 ] العسكر ولم أعلم بشيء من ذلك ، ثمّ قدمنا المدينة فاشتكيت شكوى شديدة ، وقد انتهى الحديث إلى رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وإلى أبويّ ولا يذكران لي منه شيئا ، إلّا أنّي أنكرت من رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، بعض لطفه ، فكان إذا دخل عليّ وأمّي تمرّضني قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك ، فوجدت في نفسي ممّا رأيت من جفائه ، فاستأذنته في الانتقال إلى أمّي لتمرّضني ، فأذن لي ، وانتقلت ولا أعلم بشيء ممّا كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة . قالت : وكنّا قوما عربا لا نتّخذ في بيوتنا هذه الكنف نعافها ونكرهها ، إنّما كان النساء يخرجن كلّ ليلة ، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أمّ مسطح ابنة أبي رهم بن المطّلب ، وكانت أمّها خالة أبي بكر الصدّيق ، قالت : فو اللَّه إنّها لتمشي إذ عثرت في مرطها فقالت : تعس مسطح . قالت : قلت : لعمر اللَّه بئس ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا ! قالت : أو ما بلغك الخبر ؟ قلت : وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان . قالت : فو اللَّه ما قدرت على أن أقضي حاجتي فرجعت فما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي ، وقلت لأمّي : تحدّث الناس بما تحدّثوا ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ؟ قالت : أي بنيّة خفّضي عليك ، فو اللَّه قلّ ما كانت امرأة حسناء
--> [ 1 ] فارتجع . ( وارتعج : تحرّك واضطرب . وما أثبتناه عن ابن هشام ) .