ابن الأثير

180

الكامل في التاريخ

فأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع [ 1 ] الأسيال من رومة [ 2 ] بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وتهامة ، وأقبلت غطفان ومن تابعهم حتى نزلوا إلى جنب أحد ، وخرج رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، والمسلمون فجعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف ، فنزل هناك ورفع الذراريّ والنساء في الآطام . وخرج حييّ بن أخطب حتى أتى كعب ابن أسد سيّد قريظة ، وكان قد وادع رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، على قومه ، فأغلق كعب حصنه ولم يأذن له وقال : إنّك امرؤ مشئوم ، وقد عاهدت محمّدا ولم أر منه إلّا الوفاء . قال حييّ : يا كعب قد جئتك بعزّ الدّهر وببحر طام ، جئتك بقريش وقادتها وسادتها ، وغطفان بقادتها ، وقد عاهدوني أنّهم لا يبرحون حتى يستأصلوا محمّدا وأصحابه . قال كعب : جئتني بذلّ الدهر ، وبجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ، ويحك يا حييّ ! دعني [ ومحمّدا ] . ولم يزل معه يفتله في الذّروة والغارب حتى حمله على الغدر بالنبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ففعل ونكث العهد ، وعاهده حييّ إن عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمّدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف وأتاهم عدوّهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، ونجم النّفاق من بعض المنافقين ، وأقام رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، والمشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ، ولم يكن بين القوم حرب إلّا الرمي [ بالنّبل ] . فلمّا اشتدّ البلاء بعث رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرّيّ ، قائدي غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار

--> [ 1 ] بمجمع . [ 2 ] روبة .