ابن الأثير
481
الكامل في التاريخ
هذا الملك ويكسره ، ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنّكم ، فاتّفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له : قد نظرنا فوجدنا أن وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس ، فلمّا اختلف اللّيل والنهار وقعت النحوس مواقعها فزال كلّ ما وضع عليها ، وإنّا نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول ، فحسبوا وأمروه بالبناء ، فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر فأنفق عليها أموالا جليلة حتى إذا فرغ منها قال لهم : أجلس على سورها ؟ قالوا : نعم ، فجلس في أساورته ، فبينما هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يخرج إلّا بآخر رمق . فلمّا أخرجوه جمع كهّانه وسحّاره ومنجّميه فقتل منهم قريبا من مائة وقال : قرّبتكم وأجريت عليكم الأرزاق ثمّ أنتم تلعبون بي ! فقالوا : أيّها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا . ثمّ حسبوا له وبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه ، فخاف فركب فرسا وسار على البناء ، فبينما هو يسير انتسفته دجلة فلم يدرك إلّا بآخر رمق ، فدعاهم وقال : لأقتلنّكم أجمعين أو لتصدقونني . فصدقوه الأمر ، فقال : ويحكم هلّا بيّنتم لي فأرى فيه رأيي ؟ قالوا : منعنا الخوف . فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته ، وكان ذلك سبب البطائح ، ولم تكن قبل ذلك ، وكانت الأرض كلّها عامرة . فلمّا كانت سنة ستّ من الهجرة أرسل رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، عبد اللَّه بن حذافة « 1 » السهميّ إلى كسرى ، فزادت الفرات والدجلة زيادة عظيمة لم ير قبلها ولا بعدها مثلها ، فانبثقت البثوق وانتسفت ما كان بناه كسرى ، واجتهد أن يسكرها فغلبه الماء ، كما بينّا ، ومال إلى موضع البطائح فطما الماء على الزروع وغرق عدّة طساسيج ، ثمّ دخلت العرب أرض الفرس وشغلتهم عن عملها بالحروب واتّسع الخرق . فلمّا كان زمن الحجّاج تفجّرت بثوق
--> ( 1 ) . عبد اللَّه بن فراقة . S