ابن الأثير
463
الكامل في التاريخ
أمّي « 1 » ، وحملتني كأثقل ما تحمل النساء [ 1 ] ، ثمّ رأت في منامها أنّ الّذي في بطنها نور ، [ قالت ] : فجعلت أتبع بصري النور وهو يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها ، ثمّ إنّها ولدتني فنشأت ، فلمّا نشأت بغّضت إليّ الأوثان والشعر ، فكنت مسترضعا في بني سعد بن بكر ، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي مع أتراب من الصبيان إذ أتانا ثلاثة رهط معهم طست من ذهب مملوء ثلجا فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثمّ أقبلوا على الرهط فقالوا : ما أربكم إلى هذا الغلام فإنّه ليس له أب وما يردّ عليكم قتله ؟ فلمّا رأى الصبيان الرهط لا يردّون جوابا انطلقوا مسرعين إلى الحيّ يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على القوم ، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ، ثمّ شقّ ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ، فأنا انظر إليه لم أجد لذلك مسّا ، ثمّ أخرج أحشاء بطني فغسلها بالثلج فأنعم غسلها ، ثمّ أخرج قلبي فصدعه ثمّ أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ، قال بيده يمنة منه كأنّه يتناول شيئا ، فإذا [ أنا ] بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه ، فختم به قلبي ، فامتلأ نورا ، وذلك نور النبوّة والحكمة ، ثمّ أعاده مكانه ، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ، ثمّ قال الثالث لصاحبه : تنحّ ، فتنحّى عني ، فأمرّ يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشقّ بإذن اللَّه تعالى ، ثمّ أخذ بيدي فأنهضني إنهاضا لطيفا ثمّ قال للأوّل الّذي شقّ بطني : زنه بعشرة من أمّته . فوزنوني بهم فرجحتهم ، ثمّ قال : زنه بمائة من أمّته . فوزنوني بهم فرجحتهم . ثمّ قال : زنه بألف من أمّته . فوزنوني بهم فرجحتهم . فقال : دعوه فلو وزنته بأمّته كلّهم لرجح بهم .
--> [ 1 ] وحملتني كما حمل ما يثقل النساء . ( 1 ) . بكر أبي وأمي . S