ابن الأثير
449
الكامل في التاريخ
ما أكلوا وما على أبدانهم ، وقال لأصحابه : إنّما أحرقت ذلك لئلّا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم ، وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه ، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك ، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري ، فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه . قالوا : بل نقاتل معك حتى نموت أو « 1 » نظفر . وقال لسيف بن ذي يزن : ما عندك ؟ قال : ما شئت من رجل عربيّ وسيف عربيّ ، ثمّ اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا . قال : أنصفت . فجمع إليه سيف من استطاع من قومه ، فكان أوّل من لحقه السكاسك من كندة . وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده ، فعبّأ وهرز أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيّهم ، وقال : إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقا . وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه ، وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئا . وكان وهرز كلّ بصره ، فقال : أروني عظيمهم . فقالوا : هذا صاحب الفيل ، ثمّ ركب فرسا ، فقالوا : ركب فرسا ، ثمّ انتقل إلى بلغة ، فقالوا : ركب بغلة . فقال وهرز : ذلّ وذلّ ملكه ! وقال وهرز : ارفعوا لي حاجبيّ ، وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر ، فرفعوهما له بعصابة ، ثمّ جعل نشّابة في كبد قوسه وقال : أشيروا إلى مسروق ، فأشاروا إليه ، فقال لهم : سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحرّكوا فأثبتوا حتى أؤذنكم ، فإنّي قد أخطأت الرجل ، وإن رأيتموهم قد استداروا ولاثوا « 2 » به فقد أصبته فاحملوا عليهم . ثمّ رماه فأصاب السهم بين عينيه ، ورمى أصحابه ، فقتل مسروق وجماعة من أصحابه ، فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابّته ، وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء ، وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحدّ ولا يحصى .
--> ( 1 ) . نموت عن آخرنا أو . S ( 2 ) . ولاذوا . B