ابن الأثير
374
الكامل في التاريخ
ورأى الملك الشجرة فقال : أرى شجرة ما كنت أعهدها ! قالوا : تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الّذي أردت أن تعذّبه بالجوع وقد شبع منها وأشبعت العجوز ، وشفى لها ابنها . فأمر بالبيت فهدم ، وبالشجرة أن تقطع ، فلمّا همّوا بقطعها أيبسها اللَّه وتركوها . وأمر بجرجيس فبطح على وجهه ، وأمر بعجل فأوقر أسطوانا وجعل في أسفل العجل خناجر وشفارا ثمّ دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس تحتها ، فانقطع ثلاث قطع ، ثمّ أمر بقطعه فأحرقت حتى صارت رمادا ، وبعث بالرماد مع رجال فذرّوه في البحر ، فلم يبرحوا حتى سمعوا صوتا من السماء : يا بحر إنّ اللَّه يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيّب فإنّي أريد أن أعيده . فأرسل الرياح فجمعته كما كان قبل أن يذرّوه ، والذين ذرّوه قيام لم يبرحوا ، وخرج جرجيس حيّا مغبرّا ، فرجعوا ورجع معهم وأخبروا الملك خبر الصوت والرياح . فقال له الملك : هل لك فيما هو خير لي ولك ؟ ولولا أن يقال إنّك غلبتني لآمنت بك ، ولكن اسجد لصنمي سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة وأنا أفعل ما يسرّك . فطمع جرجيس في إهلاك الصنم حين يراه وإيمان الملك عند ذلك ، فقال له : أفعل - خديعة منه - وأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح . ففرح الملك بذلك وقبّل يديه ورجليه وطلب منه أن يكون يومه وليلته عنده ، ففعل ، فأخلى له الملك بيتا ودخله جرجيس ، فلمّا جاء اللّيل قام يصلّي ويقرأ الزّبور ، وكان حسن الصوت ، فلمّا سمعته امرأة الملك استجابت له وآمنت به وكتمت إيمانها ، فلمّا أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها . وقيل للعجوز : إنّ جرجيس قد افتتن وطمع في الملك بعد الملك . فخرجت تحمل ابنها على عاتقها في أعراضهم [ 1 ] توبّخ جرجيس ، فلمّا دخل بيت الأصنام
--> [ 1 ] أغراضها .