ابن الأثير

371

الكامل في التاريخ

فجمعوا من ببلادهم من السحرة ، فلمّا جاءوا قال الملك لكبيرهم : اعرض عليّ من سحرك ما يسرّى به عني . فدعا بثور فنفخ في أذنيه فإذا هو ثوران ، ودعا ببذر فحرث وزرع وحصد ودقّ وذرّى [ 1 ] وطحن وخبز وأكل في ساعته . فقال له الملك : هل تقدر أن تمسخه كلبا ؟ قال : ادع لي بقدح من ماء ، فأتي به ، فنفث فيه الساحر ثمّ قال [ الملك ] لجرجيس : اشربه ، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره . فقال له الساحر : ما ذا تجد ؟ قال : ما أجد إلّا خيرا ! كنت عطشان فلطف اللَّه بي فسقاني . وأقبل الساحر على الملك وقال : لو كنت تقاسي « 1 » جبّارا مثلك لغلبته إنّما تقاسي جبّار السماء والأرض . وكانت أتت جرجيس امرأة من الشام ، وهو في أشدّ العذاب ، فقالت له : إنّه لم يكن لي مال إلّا ثورا أعيش به من حرثه فمات ، وجئتك لترحمني وتسأل اللَّه أن يحيي ثوري . فأعطاها عصا وقال : اذهبي إلى ثورك فاضربيه بهذه العصا وقولي له : احي بإذن اللَّه . فأخذت العصا وأتت مصرع الثور فرأت روقيه وشعر ذنبه فجمعتها [ 2 ] ثمّ قرعتها بالعصا وقالت ما أمرها به جرجيس ، فعاش ثورها ، وجاء الخبر بذلك . فلمّا قال الساحر ما قال ، قال رجل من أصحاب الملك ، وكان أعظمهم بعد الملك : اسمعوا مني . قالوا : نعم . قال : إنكم قد وضعتم أمره على السحر ، وإنّه لم يعذّب ولم يقتل ، فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن [ 3 ] يدفع عن

--> [ 1 ] وذرّ . [ 2 ] وأتت مصرع أذنيه وجمعتها . [ 3 ] قط على أن . ( 1 ) . أقاسي . S