ابن الأثير
364
الكامل في التاريخ
ومما كان من الأحداث أيام ملوك الطوائف إرسال اللَّه تعالى الرسل الثلاثة إلى مدينة أنطاكية ، وكانوا من الحواريّين أصحاب المسيح ، أرسل أوّلا اثنين ، وقد اختلف في أسمائهما ، فقدما أنطاكية فرأيا عندها شيخا يرعى غنما ، وهو حبيب النجّار ، فسلّما عليه ، فقال : من أنتما ؟ قالا : رسولا عيسى ندعوكم إلى عبادة اللَّه تعالى . قال : معكما آية ؟ قالا : نعم ، نحن نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللَّه . قال حبيب : إنّ لي ابنا مريضا مذ سنين ، وأتى بهما منزله ، فمسحا ابنه ، فقام في الوقت صحيحا ، ففشا الخبر في المدينة ، وشفى اللَّه على أيديهما كثيرا من المرضى . وكان لهم ملك اسمه أنطيخس يعبد الأصنام ، فبلغ إليه خبرهما ، فدعاهما ، فقال : من أنتما ؟ قالا : رسل عيسى ندعوك إلى اللَّه تعالى . قال : فما آيتكما ؟ قالا : نبرئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن اللَّه . فقال : قوما حتى ننظر في أمركما ، فقاما ، فضربهما العامّة . وقيل : إنّهما قدما المدينة فبقيا مدّة لا يصلان إلى الملك ، فخرج الملك يوما ، فكبّرا وذكرا اللَّه ، فغضب وحبسهما وجلد كلّ واحد منهما مائة جلدة ، فلمّا كذّبا وضربا بعث المسيح شمعون رأس الحواريّين لينصرهما ، فدخل البلد متنكّرا وعاشر حاشية الملك ، فرفعوا خبره إلى الملك ، فأحضره ورضي عشرته وأنس به وأكرمه ، فقال له يوما : أيّها الملك بلغني أنّك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى دينهما فهل كلّمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك . قال : فإن رأى الملك أن يحضرهما حتى نسمع كلامهما ، فدعاهما الملك ، فقال لهما شمعون :