ابن الأثير

288

الكامل في التاريخ

وكان ملكه أربع عشرة سنة ، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه . وبني اثنتي عشرة مدينة ، منها : أصبهان ، وهي التي يقال لها جيّ ، ومدينة هراة ، ومرو ، وسمرقند ، وبنى بالسواد مدينة لروشنك ابنة دارا ، وبأرض اليونان مدينة ، وبمصر الإسكندريّة . فلمّا مات الإسكندر أطاف به من معه من الحكماء اليونانيّين والفرس والهند وغيرهم ، فكان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم ، فوقفوا عليه ، فقال كبيرهم : ليتكلّم كلّ واحد منكم بكلام يكون للخاصّة معزّيا وللعامّة واعظا ، ووضع يده على التابوت وقال : أصبح آسر الأسراء أسيرا . وقال آخر : هذا الملك كان يخبأ الذهب فقد صار الذهب يخبأه . وقال آخر : ما أزهد النّاس في هذا الجسد وما أرغبهم في التابوت . وقال آخر : من أعجب العجب أنّ القويّ قد غلب والضعفاء لأهون مغترّون . وقال آخر : هذا الّذي جعل أجله ضمارا وجعل أمله عيانا ، هلّا باعدت من أجلك لتبلغ بعض أملك ، بل هلّا حقّقت من أملك « 1 » بالامتناع من وفور أجلك « 2 » . وقال آخر : أيّها الساعي المنتصب جمعت ما خذلك عند الاحتياج إليه فغودرت عليك أوزاره وقارفت آثامه فجمعت لغيرك وإثمه عليك . وقال آخر : قد كنت لنا واعظا فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك ، فمن كان له معقول فليعقل ، ومن كان معتبرا فليعتبر . وقال آخر : ربّ هائب لك يخافك من ورائك وهو اليوم بحضرتك ولا يخافك . وقال آخر : ربّ حريص على سكوتك إذ لا تسكت ، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم . وقال آخر : كم أماتت هذه النفس لئلّا تموت وقد ماتت . وقال آخر ، وكان صاحب كتب الحكمة : قد كنت تأمرني أن لا أبعد عنك فاليوم لا أقدر على الدنوّ منك . وقال آخر : هذا يوم عظيم أقبل من شرّه ما كان مدبرا ، وأدبر من خيره ما كان مقبلا ، فمن كان

--> ( 1 ) . خففت من أملك . S ( 2 ) . من وقت أجلك . S