الجاحظ

381

البيان والتبيين

الذي أزيد فيه أحسن منه فوالله ما ينفعك صدقه ولا يضرك كذبه وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن ولكنك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك وذهب كلامك نوادر لبعض الاعراب قال أبو الحسن سمع أعرابي رجلا يقول أشهد ان محمدا رسول الله قال يفعل ماذا وكان يقال أول العلم الصمت والثاني الاستماع والثالث الحفظ والرابع العمل به والخامس نشره وقال أبو الحسن قرأ رجل في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فان زللتم من بعد ما جائتكم البينات فأعلموا ان الله غفور رحيم فقال الأعرابي لا يكون واعظ بين يدي المهدي قال ودخل على المهدي صالح بن عبد الجليل فسأله ان يأذن له في الكلام فقال تكلم فقال انا لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم باظهار ما في أعناقنا فريضة الأمر والنهي عند انقطاع عذر الكتمان في التقية ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووعدت الله وحملة كتابه ايثار الحق على ما سواه فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص لينم مؤدبنا على موعود الأداء عنهم وقابلنا على موعد القبول أو يردنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية ويحلينا بحلية الكاذبين فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم وأدبر عنه ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله وقصر بها فاقبل ما أهدى الله إليك من السنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبولا فيه سمعة ورياء فإنه لا يخلفك منا إعلام لما تجهل أو مواطأة على ما تعلم أو تذكير لك من غفلة فقد وطن الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على نزولها تعزية عما فات وتحصينا من التمادي ودلالة على المخرج فقال « وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم » فاطلع الله على قلبك بما ينور الله به القلوب من ايثار الحق ومنابذة الأهواء فإنك إن لم تفعل ذلك يرى أثرك وأثر الله عليك فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله .