الجاحظ

111

البيان والتبيين

قال وهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة والتحبير والبلاغة والتخلص والرشاقة فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتكلف والاسهاب والاكثار لما في ذلك من التزيد والمباهاة واتباع الهوى والمنافسة في العلو والقدر وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة لأن ذلك يدعو إلى السلاطة والسلاطة تدعو إلى البذاء وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول ومن حصل كلامه وميزه وحاسب نفسه وخالف الإثم والذم أشفق من الضراوة وسوء العادة وخاف ثمرة العجب وهجنة القبح وما في حب السمعة من الفتنة وما في الرياء من مجانبة الاخلاص ولقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام بكلام ظن أنه ترك فيه المحاسبة فقال أوس بن شداد انه قد ترك فيه المحاسبة فاسترجع ثم قال ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مزمومة مخطومة قال ورووا عن حماد بن سلمة عن أبي حمزة عن إبراهيم قال إنما يهلك الناس في فضول الكلام وفضول المال وقال دع المعاذر فان أكثرها مفاجر وانما صارت المعاذر كذلك لأنها داعية إلى التخلص بكل شيء وقال سلام بن مطيع قال لي أيوب إياك وحفظ الحديث خوفا عليه من العجب وقال إبراهيم النخعي دع الاعتذار فإنه يخالط الكذب قالوا ونظر شاب وهو في دار ابن سيرين إلى فرش في داره فقال ما بال تلك الآجرة أرفع من تلك الآجرة الأخرى فقال ابن سيرين يا ابن أخي إن فضول النظر يدعو إلى فضول القول وزعم إبراهيم بن السندي قال أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول فضول النظر من فضول الخواطر وفضول النظر يدعو إلى فضول القول وفضول القول يدعو إلى فضول العمل ومن تعود فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه خرج من استكراه القول وإن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول قال أبو عمرو بن العلاء أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة فلما أخرجها إليه قال لها يا بنية امسكي عليك الفضلين قالت وما الفضلان قال فضل الغلمة وفضل الكلام