الجاحظ

66

البرصان والعرجان والعميان والحولان

أصاحبنا : ما رأينا أحدا قطَّ أبلّ ريقا ، ولا أتمّ نفسا ، ولا أربط جأشا ، من أبي أسيد عمرو هدّاب ، كانوا عنده والناس يعزّونه على ذهاب بصره إذ مثل أبو عتّاب الجرّار [ 1 ] بين يدية ، وهو مثل المحجوم [ 2 ] وأبو عتّاب هو إبراهيم بن جامع بن مصاد [ 3 ] مولى بلعدويّة - فقال : يا أبا أسيد ، لا تحزن على ذهابهما ، فإنّك لو قد رأيت ثوابهما في ميزانك لقد تمنّيت أن يكون اللَّه قد قطع يديك ورجليك ، ودقّ ظهرك ، وأدمى ظلفك [ 4 ] ! قال : فلم يبق من القوم أحد إلَّا استغرب ضحكا ، أو صاح بأبي عتّاب وأراد إسكاته إلَّا أبا أسيد نفسه ، فإنّه لم يتغيّر لذلك ، ولم يظهر منه قبول ولا إنكار ، وأقبل على القوم فقال : يرعى له حسن نيّته ، ويلغى سوء لفظه . قالوا : ثم ما لبثنا إلا يسيرا حتّى دخل أبو الشعثاء العنزي [ 5 ] وعليه

--> [ 1 ] أبو عتاب ، هو إبراهيم بن جامع ، كما سيأتي . [ 2 ] في الحيوان في الموضعين : " وكان كالجمل المحجوم " . والمحجوم : الذي وضع على فمه الحجام لئلا يعضّ ، فصوته حينئذ أقوى صوت . وجاء في حديث ابن عمر ، وذكر أباه : " كان يصيح الصيحة يكاد من سمعها يصعق ، كالجمل المحجوم " . والحجام ، ككتاب : شيء يجعل في فم البعير أو خطمه . [ 3 ] مصاد بفتح الميم وضمها مع تخيف الصاد ، كما في القاموس ، وإن تك قد ضبطت في الأصل مشددة الصاد . وفي الحيوان : " من آل أبي مصادر " . [ 4 ] كذا في الأصل ، وهو يطابق ما ورد في نسخة ل من الحيوان 3 : 35 / 5 : 167 ويروى : " ضلعك " بالضاد والعين ، كما يروى : " صلعك " بالصاد المهملة . [ 5 ] في المستطرف 2 : 271 أن اسم الشاعر " طريف " .