السيد محسن الأمين

292

أعيان الشيعة

تعليم أولادهم وتأديبهم ، وكثيرا ما وجد الملوك عند هؤلاء الرأي الحصيف والمشورة الصائبة . فليس من باس إذن ، أن يتردد الفراء على باب المأمون ليتبوأ مكانه في مجلسه . بينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس وكان خصيصا بالمأمون ، قال ثمامة : فرأيت أبهة أديب فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنجوم ماهرا ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب واشعارها حاذقا ، فقلت له : من تكون ؟ وما أظنك الا الفراء ، فقال : أنا هو ، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون ، فامر باحضاره لوقته وكان سبب اتصاله به . ( 1 ) وصار الفراء يختلف إلى مجلس المأمون ، والمأمون يظاهر عليه من يسائله في النحو ويناظره في اللغة ، إلا أنه كان يهزمهم تباعا ، ويفحمهم ، والمأمون عالم قبل أن يكون حاكما ، خبير بأقدار العلماء ومراتبهم ، فقد آنس في يحيى بن زياد حذقا وسعة اطلاع . يقول الخطيب في تاريخ بغداد : فامره بان يؤلف له ما يجمع به أصول النحو ، وما سمع من العربية ، وأمر أن يفرد بحجرة من حجر الدار ، ووكل به جواري وخدما يقمن بما يحتاج إليه ، حتى لا يتعلق قلبه ، ولا تتشوق نفسه إلى شئ ، حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين ، فكان يملي والوراقون يكتبون ، حتى صنف الحدود في سنتين . وبعد أن فرع الفراء من تصنيف الحدود ، قال لأصحابه يوما : اجتمعوا حتى املي عليكم كتابا في القرآن الكريم ، وجعل لهم يوما ، فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن فيه ، وكان من القراء فقال له : اقرأ ، مبتدئا بفاتحة الكتاب ففسرها ، ثم مر في الكتاب كله على ذلك ، يقرأ الرجل ويفسر الفراء قال الراوي : وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لاملاء كتاب المعاني ، فلم نضبطهم ، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا . وشد ما يدهش المأمون هذا السفر العظيم الذي استهوله القراء والمفسرون ، ونال ثناءهم واعجابهم ، حتى قال قائلهم : كتاب المعاني كتاب لم يعمل مثله ، ولا يمكن أحدا أن يزيد عليه . فكانت الرغبة شديدة في نفس المأمون ، والظرف محوجا في نظره ، بان يدفع بولديه إلى الفراء ليلقنهما النحو والصرف ويغرس في نفوسهما التأدب ، فما كان من الفراء الا أن يكون بمستوى المسؤولية التي أنيطت إليه ، فلم يبخل على هذين الحدثين بجهد ، ولم يضن عليهما باهتمام ، حتى صارا شديدي التعلق بأستاذهما ، لا يأنسان الا إلى قربه ومعسول أحاديثه ، فضلا عما كانا يكنان له من تجلة واحترام . فقد نهض يوما إلى بعض حوائجه ، فابتدرا إلى نعله يقدمانه له فتنازعا أيهما يقدمها ، فاصطلحا أن يقدم كل واحد منهما فردا ، فقدماها ، وكان المأمون له على كل شئ صاحب خبر ، فرفع ذلك الخبر إليه ، فوجه إلى الفراء من استدعاه ، فلما دخل عليه قال : من أعز الناس ؟ قال : ما أعرف أعز من أمير المؤمنين ، قال : بلى من إذا نهض يقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد منهما أن يقدم له فردا ، قال : يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك ، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو اكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها ، وقد روى عن ابن عباس رض أنه أمسك للحسن والحسين رضي الله عنهما ركابيهما ، حين خرجا من عنده فقال له بعض من حضر : أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما ؟ فقال له اسكت يا جاهل ، لا يعرف الفضل لأهل الفضل الا ذوو الفضل ، فقال له المأمون : لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا ، وألزمتك ذنبا وما وضع ما فعلاه من شرفهما ، بل رفع قدرهما ، وبين عن جوهرهما ، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما ، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا عن ثلاث : عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم وقد عوضتهما بما فعلاه عشرين ألف دينار ، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك . ( 2 ) الفراء يتعهد مدرسة الكوفة بالنمو يحدثنا التاريخ بان أهل الكوفة امتازوا بالفقه والحديث والقراءة ، ثم تعاطوا النحو بعد أن بات بينهم وبين البصريين شاو بعيد . ودراسة النحو في الكوفة انما تبدأ حقا بعد الكسائي فهو امام مدرسة الكوفة . وفي رأي الدكتور المخزومي أنه نهج بالنحو منهجا جديدا تولاه الفراء من بعده بالرعاية ، فهما الكسائي والفراء رئيسا المدرسة واليهما يعزى تأسيسها وتنظيم منهجها وبهما يبدأ تاريخها . وإذا كان الكسائي قد وضع أسس هذه المدرسة الجديدة ، وجمع لها مادة درسها ، ورسم المنهج الذي يعتمد عليه انشاؤها ، فان الفراء قد تكفل باتمام البناء وتعهد المدرسة بالنمو ، وأعاد النظر فيما جاء به الكسائي ، فاخذ منه ما يتفق مع طبيعة المدرسة وبنى منهجها على أساس علمي جديد . ( 3 ) تفلسف في النحو ، فأساء إلى هذا الدرس من حيث أراد الاحسان ثم تابع الفراء مسيرته ناشطا دونما كلل أو ملل ، وله في العربية قصب السبق في أغلب التعاليل والتخاريج النحوية الجديدة ، فتارة نراه يحمل العربية على الألفاظ والمعاني فبرع واستحق التقدمة ، وتارة يقلب المسألة على وجوهها المختلفة وله في كل وجه منها أكثر من تعليل وتفسير . وآراؤه النحوية هذه ، وتفسيراته لوجوه الاعراب فلسفية إن صح مثل هذا التعبير يطغى عليها الطابع الفلسفي ، فمثلا حين يرى الخليل بن أحمد أن كلا اسم ، يراها الفراء بين الأسماء والأفعال فيقول : فلا أحكم عليها بالاسم ولا بالفعل ، فلا أقول أنها اسم ، لأنها حشو في الكلام ، ولا تنفرد كما ينفرد الاسم ، وأشبهت الفعل لتغيرها في المكنى والظاهر ، لأني أقول في الظاهر : رأيت كلا الزيدين ، ومررت بكلا الزيدين ، وكلمني كلا الزيدين ، فلا تتغير ، وأقول في المكنى : رأيتهما كليهما ، ومررت بهما كليهما ، وقام إلي كلاهما ، فأشبهت الفعل ، لأني أقول : قضى زيد ما عليه ، فتظهر الألف مع الظاهر ، ثم أقول قضيت الحق ، فتصير الألف ياء مع المكنى . إلي ولم يخالف الفراء الخليل ، وحسب ، وانما خالف أستاذه الكسائي في كثير من مذاهبه فرفع المعطوف على اسم ان أجازه فريق من النحاة في جميع الأمثلة أو بعضها ، ومنهم كسائي الذي كان يجيز ذلك مطلقا .