السيد محسن الأمين

278

أعيان الشيعة

وقوله في السينية يصف المتحاربين في صورة المعركة بين الفرس والروم : من مليح يهوي بعامل رمح * ومشيح من السنان بترس فذلك التسجيع بين محرقة ومؤرقة ويروقني ويشوقني ومليح ومشيح قد اعطى الشعر جمال وقع يضيع عند تبديل واحدة من هذه الألفاظ . ومع التسجيع يعتمد البحتري كثيرا على جودة التقطيع للكلام في النظم . واليك مثلا قوله في البائية التي وصف فيها مصارعة الفتح بن خاقان وزير المتوكل للأسد . قال : هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلب * من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا * وأقدم لما لم يجد عنك مهربا فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا * ولم ينجه إن حاد عنك منكبا حملت عليه السيف لا عزمك انثنى * ولا يدك ارتدت ولا حده نبا ولا أدل على جودة تقطيع الكلام في هذا النظم من أن نعيد كتابته على الشكل الآتي : هزبر مشى يبغي هزبرا ، وأغلب من القوم يغشى باسل الوجه غلبا فأحجم ، لما لم يجد فيك مطمعا وأقدم ، لما لم يجد عنك مهربا . فلم يغنه . إن كر نحوك مقبلا ، ولم ينجه إن حاد عنك منكبا ! حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ولا يدك ارتدت ولا حده نبا . وإن أدنى حظ من رهافة الحس الموسيقي ليشهد بما قد أسبغته جودة تقطيع النظم على هذا الشعر من عذوبة ايقاع . وخاتمة القول أن ابن الأثير لم يعد الصواب حين جعل ميزة البحتري العليا أنه أراد أن يشعر فغنى . فلقد ظهر لنا في كل ما تقدم أن أجمل ما بني عليه شعر البحتري هو الجرس الموسيقي وما يشيعه انشاده من طرب في اجزاء النفس . وليس يقلل حكم ابن الأثير من علو منزلة البحتري بين الشعراء العرب . فان ميزة الجرس الموسيقي ليست بالميزة اليسيرة ولا سيما في الشعر الغنائي ، بل لعلها هي الميزة العليا في هذا الضرب من الشعر . ولكن لا بد من الاقرار بان الجرس الموسيقي الذي يتحلى به نظم البحتري قليل النصيب من الفخامة والروعة ، فهو جرس عذب رقيق وكفى . أنه قد عدم ذلك العزف الصاخب القوي الذي نجده في شعر زميله أبي الطيب المتنبي . من شعره قال : طيف لعلوة ما ينفك يأتيني * يصبو إلي على بعد ويصبيني تصرم الدهر لاجود فيطمعني * فيما لديك ولا ياس فيسليني ولست أعجب من عصيان قلبك لي * عمدا إذا كان قلبي فيك يعصيني إما وما احمر من ورد الخدود ضحى * وأحور في دعج من أعين العين لقد حبوت صفاء الود صائنه * عني وأقرضته من لا يجازيني هوى على الهون اعطيه وأعهدني * من قبل حبك لا أعطي على الهون وقال : شغلان من عذل ومن تفنيد * ورسيس حب طارف وتليد واما وآرام الظباء لقد نأت * بهواك أرام الظباء الغيد طالعن غورا من تهامة واعتلى * عنهن رملا عالج وزرود لما مشين بذي الأراك تشابهت * اعطاف قضبان به وقدود في حلتي حبر وروض فالتقى * وشيان وشي ربى ووشي برود وسفرن فامتلأت عيون راقها * وردان ورد جنى وورد خدود وضحكن فاغترف الأقاحي من ندى غض وسلسال الرضاب برود نرجو مقابلة الحبيب ودونه * وخد يبرح بالمهارى القود ومتى يساعدنا الوصال ودهرنا * يومان يوم نوى ويوم صدود وقال : هل دين علوة يستطاع فيقتضى * أو ظلم علوة يستفيق فيقصر بيضاء يعطيك القضيب قوامها * ويريك عينيها الغزال الأحور تمشي فتحكم في القلوب بدلها * وتميس في ظل الشباب وتخطر وتميل من لين الصبا فيقيمها * قد يؤنث تارة ويذكر اني وإن جانبت بعض بطالتي * وتوهم الواشون اني مقصر ليشوقني سحر العيون المجتلى * ويروقني ورد الخدود الأحمر وقال : تناءت دار علوة بعد قرب * فهل ركب يبلغها السلاما وجدد طيفها عتبا علينا * فما يعتادنا الا لماما وربت ليلة قد بت اسقى * بعينيها وكفيها المداما وقد علمت باني لم أضيع * لها عهدا ولم أخفر ذماما لئن أضحت محلتنا عراقا * مشرقة وحلتها شاما فلم أحدث لها الا ودادا * ولم أزدد بها الا غراما وقال : هذي المعاهد من سعاد فسلم * واسال وإن وجمت ولم تتكلم لؤم بنار الشوق إن لم تحتدم * وضنانة بالدمع إن لم يسجم وبمسقط العلمين ناعمة الصبا * حيرى الشباب تبين إن لم تصرم بيضاء تكتمها الفجاج وخلفها * نفس يصعده هوى لم يكتم هل ركب مكة حاملون تحية * تهدي إليها من معنى مغرم رد الجفون على كرى متبدد * وحنى الضلوع على جوى متضرم إن لا يبلغك الحجيج فلا رموا * في الجمرتين ولا سقوا من زمزم وقال :