عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

4091

بغية الطلب في تاريخ حلب

بعدما شرطتم لدارا بن دارا الملك من الكف عن بلاده والتشبه بالنساء في إطالة الشعر واتخاذ الأزر وكان دارا بن دارا الملك ابن عم بابك بن ساسان والد أزدشير فلما بلغ سابور ما في نفسه وأدرك منهم ثأره قال لمن معه من الجنود إني أريد دخول أرض الروم ومستخف فيها حتى أبحث عن أسرارهم وأعرف عدة جنودهم ومسالك بلادهم حتى إذا بلغت نهمتي من ذلك وحاجتي انصرفت إلى مملكتي فسرت إليهم بمن احتاج إليه من الجنود فحذره الجنود التغرير بنفسه فلم يقبل وانصرف متنكرا حتى دخل أرضهم فمكث فيها حينا يجول فيها فبينما هو كذلك إذ بلغه إن ابن قيصر أعرس فأولم وليمة لسفلة الناس ومساكينهم وأمر أن يجمعوا له ويحضروا طعامه بعد فراغه من طعام الإشراف فانطلق سابور متهيئا بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمع لينظر إلى قيصر ويعرف هيئته في مجلسه وطعامه فبينما هو كذلك إذا أتي قيصر بإناء يشرب فيه من آنية سابور منقوش فيه تمثال سابور فجعلوا يسقون به قيصر ومن حوله حتى انتهى الإناء إلى حكيم من حكمائهم الذين ينظرون في النجوم ويعرفون الفراسة فنظر في التمثال الذي فيه وقبل ذلك ما قد كان أبصر وجه سابور وهو جالس في رفقة المساكين فأمسك الإناء وقال إني لأرى أمرا معجبا قال قيصر وما ذلك قال الحكيم أرى في الجلساء رجلا شبيه الصورة بهذا التمثال فإن لم يكن ذلك سابور فما في الأرض أحد أشبه منه به فأمر قيصر فدعا سابور إليه فسأله عن أمره فقال أنا رجل مسكين من أهل فارس وكان سابور جميل الوجه حسن الصورة معتدل القامة تام الخلق فازداد قيصر لما رأى من حاله في ذلك ارتيابا في أمره وأحسن بأنه لم يصدقه عن نفسه فألح عليه في السؤال وقال ما صدقتنا عن خبرك فقال سابور أما إذ أبيتم إلا التقصي عن أمري فإني لا أجد من صدقكم بدا أنا من أساورة فارس وكان والدي قد أجرم إلى ملكنا جرما عظيما فقتله واستصفى ماله فتخوفته على نفسي فلحقت بكم وقد أصابني فقر ومسكنة فأتيت هذا الموضع لما بي من الجوع والجهد والفاقة فرقوا له وظنوا أن قد صدقهم عن نفسه فهموا بتخلية سبيله فأبى ذلك العالم عليهم أن يخلوه ونظر في حسابه فأتاه في ذلك ما وافق ظنه وقال اعلموا إن هذا سابور نفسه فاستوثقوا منه واشتدوا