عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
3661
بغية الطلب في تاريخ حلب
وتغيرت نية رضوان على حسين فهرب من حلب إلى حمص ومعه زوجته أم رضوان . ثم تجدد بعد ذلك خروج الفرنج ( 90 - و ) إلى أنطاكية ، ووصل يغي سغان إلى الملك رضوان إلى حلب إلى خدمة رضوان ، وتزوج رضوان بابنته خاتون جيجك ، ونزل الفرنج على أنطاكية ، وشنوا الغارات على بلد حلب ، ووصل ابن يغي سغان إلى حلب مستنجدا على الفرنج ، فسير رضوان معه عسكر حلب وسكمان ، فلقيهم من الفرنج دون عدتهم ، فانهزم المسلمون إلى حارم ، وغلب أهل حارم من الأرمن عليها ، وعاد سكمان بن أرتق مفارقا رضوان ، وصار مع دقاق . واستولي الفرنج على أنطاكية ، وضعف أمر رضوان ، واستمال الباطنية وظهر مذهبهم بحلب ، وشايعهم رضوان ، واتخذوا دار دعوه بحلب ، وكاتبه ملوك الاسلام في أمرهم ، فلم يلتفتت ، ولم يرجع عنهم ، ودام على مشايعتهم . وقوي الفرنج عليه فباع من أملاك بيت المال عدة مواضع للحلبيين ، وقصد بذلك استمالتهم ، وأن يتعلقوا بحلب بسبب أملاكهم فيها حتى أنه باع في ساعة واحدة ستين خربة من مزارع حلب لجماعة من أهلها وكتب بها كتاب واحد ، يذكر حدود كل خربة ومشتريها وثمنها . وكان الكتاب عندي في جملة الكتب التي كانت لوالدي رحمه الله . وكان الملك رضوان بخيلا شحيحا يحب المال ، ولا تسمح نفسه باخراجه ، حتى أن أمراءه وكتابه كانوا ينبزونه بأبي حبة ، وذلك هو الذي أضعف أمره ، وأفسد حاله مع الفرنج والباطنية . وجدد في حلب مكوسا وضرائب لم تكن ، ومع هذا كله كان فيه لطف ومحاسنة ( 90 - ظ ) للحلبيين حتى بلغني أنه مريوما راكبا ليخرج من باب العراق ، فلما وصل إلى المرمي ، وهو داخل السور بالقرب من باب العراق ، سمع امرأة تنادي أخرى يا زليخا تعالي أبصري الملك ، فأمسك رأس فرسه ووقف ساعة ، ثم نظر فلم ير أحدا ، فقال : أين هي زليخا ؟ قولوا لها تأتي تبصرنا أو نمشي ، وهذا من أبلغ اللطافة من ملك مثله .