عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
3463
بغية الطلب في تاريخ حلب
وبكى الحاضرون من أولاده وغيرهم فقال لي لا تكن إلا رجلا ولا تعمل عمل النساء ولا تغير هيئتك وكن على مقتضى طريقتك فلما كان الليل اشتد به الضعف وانصرفت في حاجة فحدثني بعض من كان جالسا عنده من أهله أنه أفاق فزعا مرتعبا فقال بالله تقدموا إلي فإني أجد وحشة فسئل مم ذلك فقال أرى صفا عن يميني فيهم أبو بكر وسعد صورهم جميلة وعليهم ثياب بيض وصفا عن يساري صورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس وهؤلاء يقولون تعال إلينا وهؤلاء يقولون تعال إلينا وأنا أريد أن أروح إلى أهل اليمين وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت والله ما أجيء إليكم خلوني من أيديكم وقد ارتعبت منهم ثم أغفى اغفاءة ثم قال الحمد لله خلصت منهم وقال رأيت امرأة جميلة لم أر أحسن منها قد جاءت إلي فأعرضت عنها فكلمتني كالتي تستميلني فقلت والله ما لي بك من حاجة هذه زوجتي عندي وأنا عنها مشغول فروحي عني فإن نومة أحب إلي فقالت زوجتك ما تدوم لك وما يدوم لك إلا نحن قال الحسن وتوفي رحمه الله صبيحة هذه الليلة حين تنفس الصبح من يوم السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة بالبويضا كذا قال لي ولده ووجدت تاريخ وفاته بخطي أنه توفي أول طلوع الفجر من يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وستمائة وحضر الملك الناصر يوسف بن محمد الصلاة عليه واستصحبني معه إلى البويضا وقدمني للصلاة عليه فصليت عليه بإذن من أولاده وكان قد أوصى أن يغسله القاضي شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي قاضي دمشق قال لي ولده الحسن فغمضت عينيه وشددت لحيته وقلبت الماء عليه فرأيته كأحسن نائم فقلت للقاضي شمس الدين عبد الله ما ترى وجهه فقال هو الآن أحسن منه حيا وحملت جنازته إلى جبل الصالحين فدفن في تربة أبيه الملك المعظم رحمه الله إلى جانبه من الشمال ودخل الملك الناصر به إلى والدته بعد الصلاة عليه وعزاها وسلاها ووعدها في مخلفيه خيرا رحمه الله رحمة واسعة