عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

1965

بغية الطلب في تاريخ حلب

ما هذا إلا فرصة وقلنا له لا تفعل ولا تسلم المسلمين إلى عدو الدين فقال وكيف أقدر على لقائهم في هذا الوقت فقال له القاضي أبو غانم وأيش هم حتى لا تقدر عليهم ونحن أهل البلد إذا وصلت إلينا نكفيك أمرهم قال القاضي أبو الفضل فكتبت كتابا من حلب إلى والدي أبي غانم أخبره فيه بماحل بأهل حلب من الضر وأنه قد آل الأمر بهم إلى أكل القطاط والكلاب الميتة فوقع الكتاب في يد تمرتاش وشق عليه وغضب وقال انظروا إلى جلد هؤلاء الفعلة الصنعة قد بلغ بهم الأمر إلى هذه الحالة وهم يكتمون ذلك ويتجلدون ويغرونني ويقولون إذا وصلت إلينا نكفك أمرهم قال القاضي أبو غانم فأمر تمرتاش بأن يوكل علينا فوكل بنا من يحفظنا خوفا أن ننفصل عنه إلى غيره فأعملنا الحيلة في الهرب إلى الموصل وأن نمضي إلى البرسقي ونستصرخ به ونستنجده فتحدثنا مع من يهربنا وكان للمنزل الذي كنا فيه باب يصر صريرا عظيما إذا فتح أو أغلق فأمرنا بعض أصحابنا أن يطرح في صائر الباب زيتا ويعالجه لنفتحه عند الحاجة ولا يعلم الجماعة الموكلون بنا إذا فتحناه بما نحن فيه وواعدنا الغلمان إذا جن الليل أن يسرجوا الدواب ويأتونا بها ونخرج خفية في جوف الليل ونركب ونمضي قال وكان الزمان شتاء والثلج كثير على الأرض قال القاضي أبو غانم فلما نام الموكلون بنا جاء الغلمان بأسرهم إلا غلامي ياقوت وأخبر غلمان رفاقي أن قيد الدابة تعسر عليه فتحه وامتنع كسره فضاقت صدورنا لذلك وقلت لأصحابي قوموا أنتم وانتهزوا الفرصة ولا تنتظروني فقاموا وركبوا والدليل معهم يدلهم على الطريق ولم يعلم الموكلون بنا بشيء مما نحن فيه وبقيت وحدي من بينهم مفكرا لا يأخذني نوم حتى كان وقت السحر فجاءني ياقوت غلامي بالدابة وقال الساعة انكسر القيد قال فقمت وركبت لا أعرف الطريق ومشيت في الثلج أطلب الجهة التي أقصدها قال فما طلع الصبح إلا وأنا وأصحابي الذين سبقوني في مكان واحد وقد ساروا من أول الليل وسرت من آخره وكانوا قد ضلوا عن الطريق