عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
1935
بغية الطلب في تاريخ حلب
وهو حي إلا أن يده قد ذهبت ونصف ساعده فلما علموا أن رئيسهم قد مضى وقع الصراخ والبكاء وانطفأ الحرب وكف الناس وعملوا المواتيم وأتيت طرادا فقلت له ما هذه الحروب فأخذ يحدثني وقال لي لولا أن الله من علينا برجل لا أعلم من هو غير أني رأيت دابته حنفاء وكانت فرسي حنفاء غير أنه لم يكن مثلها في السباق والركض فقلت له إن رأيت الفرس حاسرا تعرفه قال نعم فحدرت لثامي فقال الله أكبر الأعسر ورب الكعبة مرحبا وقام فقبل رأسي ورأس بني عمي وكان صحبني من الحلة خمس من بني عمي كانوا معي في الحرب وبقي خفاف تلك الليلة إلى الصباح ينزف دمه ولم تأت الظهيرة حتى قضى نحبه ووقع في الحي البكاء والنحيب وفرغوا من أمره وأخذ أهبته ودفن وكثر البكاء والنحيب في بني قشير وأقمت عند طراد ثلاثا ثم ودعته في اليوم الرابع وقلت المضي قال والله لا أقمت عندي إلا عشرا لأكرمك وأقضى بعض واجب حقك فسأله بنو عمي الانصراف فأذن لهم بعد شدة فأقمت أنا عنده يومين بعد ذلك وكنت لا أصبر عن الشراب إنما هو قوام حياتي فقلت لطراد إني أريد الشراب قال وكرامة وأنقذ فأتاني من بعض الحانات بشراب فسمطت طعاما وشرابا على فرسي وخرجت ومعي عشرة من شباب بني أسد نتنزه ونشرب وأمعنا في السير إلى أن وقعنا على موضع خضر نضر فيه شجر قد عرش وزهر قد انفرش وماء جار وموضع طيب فشربنا على الغدير إلى قرب العصر ثم فني شرابنا فكررنا راجعين فقال لي بنو عمي ترغب في السباق إلى الحي قلت نعم وطمعوا في لأنهم رأوا دابتي حنفاء فأطلقنا أعنة خيولنا ومررنا سباقا إلى الحلة فسبقتهم أنا بأجمعهم بنحو الميل ووقفت على كثيب أحمر على ظهر الحلة على نشز منها أنتظر أصحابي فأنا واقف إذ سمعت بكاء وشجى وحنينا وعويلا فالتفت فأنا بجارية جالسة على قبر مبيض جديد وهي تبكي بكاء شجي حرق وتندبه وهي تقول :