عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
1825
بغية الطلب في تاريخ حلب
وحكى لي والدي أنهم كانوا يقاتلون عسكر الملك الناصر حتى يصلوا المخيم وأنهم قبضوا على جماعة فكانوا يشرحون أسافل أقدامهم ليمنعهم ذلك عن المشي فلا يردهم ذلك عن القتال فلما لم ينل من حلب ما أراد صالحهم وسار عنها فأخرجوا إليه ابنة نور الدين أخت الملك الصالح وهي صغيرة فقال لها ما تشتهين فقالت أريد أن تعيد إلينا عزاز فوهبها إياها وكان التدبير بحلب إلى والدته وإلى شاذ بخت الخادم وأمير لا لا وخالد بن القيسراني ثم إن الملك الصالح رحمه الله مرض بالقولنج في تاسع شهر رجب من سنة سبع وسبعين فأخبرني قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال في ثالث وعشرين من رجب أغلق باب القلعة لشدة مرضه واستدعي الأمراء وأخذ واحد واحد واستحلفوا لعز الدين مسعود صاحب الموصل قال وفي خامس وعشرين منه توفي رحمه الله وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس وكان الملك الصالح رحمه الله قد ربي أحسن تربية وكان دينا عفيفا ورعا كريما محبوبا إلى قلوب الرعية لعدله وحسن طريقته ولين جانبه لهم قال لي والدي رحمه الله إن اليوم الذي مات فيه انقلبت المدينة بالبكاء والضجيج ولم ير إلا باك عليه مصاب به قال لي ودفن بقلعة حلب ولم يزل قبره بها إلى أن ملك الملك الناصر حلب وتسلم قلعتها فحول قبره إلى الخانكاه التي أنشأتها والدته تحت القلعة قال لي ولما حول ظهر من الناس من البكاء والتأسف كيوم مات قال ووجد من قبره عند نبشه شبيه برائحة المسك رحمه الله وحكى لي ذلك أيضا غير والدي وكان رحمه الله على صغر سنه كثير الاتباع للسنة والنظر في العواقب وأخبرني والدي قال حكى لي العفيف بن سكرة اليهودي الطبيب وكان يتولى معالجة الملك الصالح في مرضه الذي مات فيه وكان به قولنج قال قلت له يوما يا مولانا والله شفاؤك في قدح من خمر وأنا أحمله إليك سرا ولا تعلم به والدتك