السيد محسن الأمين
35
أعيان الشيعة
قال : اللهم آل محمد . اللهم آل محمد . اللهم آل محمد . ثلاثا رحمه الله تعالى . وقال روكس بن زائد العزيزي : لقد امتاز هذا الشاعر بمزايا لم تجتمع لسواه فقد كان خير مصور لاتجاهات عصره في شعره ، وانقطع لمدح آل البيت مدحا كاد يكلفه حياته لو كان حافظا للقرآن الكريم من فقهاء الشيعة المعدودين ، ولعله أول من أجاد الجدل الفقهي ، وناظر في التشيع جهرة ، وهو أمر يحتاج إلى شجاعة أدبية غريبة . وقد كان الكميت كاتبا حسن الخط وكان في أول أمره معلما ، فلا عجب إذا عرضته مهنته لشئ من الاحتقار ، تأثرا بالعقلية التي كانت تحقر مهنة التعليم وترى في المعلمين فئة مستضعفة . والكميت بعد هذا من أعاظم الشعراء الذين عرفهم العصر الأموي ، ومن أصدقهم عاطفة ولا يلام إذا رأيناه يتذبذب وهو يريد الاحتفاظ بدمه . يظهر لنا خلقه المترفع وإخلاصه لآل البيت من الحادثة التالية : طاف عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على دور بني هاشم ومعه أربعة من غلمانه ، ومعهم ثوب يضعون فيه هبات بني هاشم للكميت ، وكان عبد الله يقول لأهل البيوت التي يدخلها : يا بني هاشم ! قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم ، وعرض دمه لبني أمية بما قد رأيتم . فكان الرجل يطرح في الثوب ما يقدر عليه من دراهم ودنانير ، أما النساء فإنهن كن يبعثن بحلاهن يخلعنها عن أجسادهن فبلغ ما اجتمع من ذلك نحو مائة ألف درهم فقدمها للكميت قائلا : أتيناك بجهد المقل ، ونحن في دولة عدونا ، وقد جمعنا هذا المال وفيه حلى النساء كما ترى ، فاستعن به على دهرك ! . أجاب الكميت : بأبي أنت وأمي ، قد أكثرتم وأطبتم ، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله ، ولم أك لآخذ لذلك ثمنا من الدنيا فاردده إلى أهله . فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة فأبى . فلو لم يكن له إلا هذا الموقف لكان أعظم دليل على بطولة الرجل النفيسة ، وصدقه وإخلاصه . وقال محمد العيساوي الجمي : الكميت أول من أدخل الجدل المنطقي في الشعر العربي ، فهو مجدد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى . وشعره ليس عاطفيا كبقية الشعراء ، بل إن شعره ، شعر مذهبي ، ذهني ، عقلي ، فهو شاعر يناضل عن فكرة عقائدية معينة ، وعن مبدأ واضح ، ومنهج صحيح ، ودعوة آمن بها وكرس لها حياته ، وجهده وتحمل في سبيلها الأذى ومات بسببها . وأغلب شعره السياسي أو الهاشميات كما سمى ديوانه ، نظمه ما بين سنة 105 ه حتى آخر سنة 120 ه . وكان قبل هذه الفترة مدح آل المهلب . والبعض من بني أمية . وربما مدح الآخرين تقية وكان الشاعر في صراع مرير مع خالد القسري نائب الأمويين في العراق . وهاشميات الكميت المطولة لا تبتدئ ببكاء الأطلال ، والوقوف على الدمن من الآثار على عادة من سبقوه من الشعراء . بل يبدؤها بحب آل البيت الهاشمي والنسيب بهم . وها هو يبدأ إحدي هاشمياته قائلا : طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ولكن إلى أهل الفضائل والنهي * وخير بني حواء والخير يطلب والذي يتتبع مدح الكميت في الهاشميين لا يجده مدحا فقط ، أعني لا يجده ذكر محاسن وبيان فضائل فحسب ، بل يجد مدحه للهاشميين عبارة عن حجاج قوي ، ومنطق لا يقبل الرد والدحض وهو محامي بارع أصيل ، يعرف كيف يدافع عن موكله . ويلصق التهم بالمدعي على صاحبه . فشعره إذن : شعر عقلي ، وهو أول من أدخل التفكير العقلي ، والجدل المنطقي في شعرنا العربي . ضنا لحريته وهنا بدأ في مدح الأمويين . والكميت شاعر شيعي ، عميق التشيع ، عقلي الشعر ، قوي الحجة ، متين الجدل والأدلة وهو شاعر له خطة معينة يتبعها ، وفكرة دينية يناضل في سبيلها ، ومذهب سياسي معارض للحكومة يعبر عنه في صراحة ، وبدون مواربة أو دجل . وهو أول من أدخل التقرير والاحتجاج للعلويين في الدفاع عنهم ، وعن حقهم المهضوم المغتصب . فشعر الكميت الأسدي إذن : عبارة عن مناظرات عقلية عميقة ، يقوم بها لفائدة الهاشميين وهي تعتمد على الاقناع العقلي الصرف . فهو يؤيد وجهة نظره بأدلة عقلية ، منطقية ، قوية ويعضدها بآي القرآن الكريم ، ولقد كان : لسنا ، فصيحا ، ذكيا ، سريع البديهة حاضر الحجة قريب الدليل ، غزير المنطق الجدلي ، والبحث ، والمقارنة . فها هو يقول من قصيدة في الهاشميات : بخاتمكم غصبا تجوز أمورهم * فلم أر غصبا مثله يتغضب وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأولها منا تقي ومعرب وفي غيرها آيا وأيا تتابعت * لكم نصب فيها لذي الشك منصب بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذ منها والرديفين نركب وقالوا ورثناها أبانا وأمنا * وما ورثتهم ذاك أم ، ولا أب يرون لهم فضلا على الناس واجبا * سفاها وحق الهاشميين أوجب ولكن مواريث ابن آمنة الذي * به دان شرقي لكم ومغرب فدى لك موروثا أبي وأبو أبي * ونفسي ، ونفسي بعد بالناس أطيب وتستخلف الأموات غيرك كلهم * ونعتب لو كنا على الحق نعتب يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيه بكيل وأرحب وعك ، ولخم ، والسكون وحمير * وكندة ، والحيان : بكر وتغلب ولا تنشلت عضوين منها يحابر * وكان لعبد القيس عضو مؤرب وما كانت الأنصار فيها أذلة * ولا غيبا عنها إذ الناس غيب هم شهدوا بدرا وخيبر بعدها * ويوم حنين ، والدماء تصبب فان هي لم تصلح لقوم سواهم * فان ذوي القربى أحق وأقرب هذه القصيدة كلها حجاج لبني هاشم ، ورد على ما ادعاه الأمويون . . . وضمن الكميت قصيدته أدلة من القرآن الكريم . فهو وجد في آي حاميم آية لفائدة بني هاشم ، وفي غير حاميم وجد آيا وآيا ، تفيد وتثبت حق الهاشميين في الخلافة الاسلامية . ولكن بني أمية اغتصبوها جهرة وبادعاء إنهم ورثوها عن آبائهم . وكيف ورثوها ؟ ومع ذلك يقولون أن الرسول لا يورث . وما تركه صدقة ؟ وبحق الهاشميين أصبحت قريش تقودهم والمسلمين جميعا ، وبالفذ ويقصد به معاوية والرديفين من جاء بعده . ويبلغ بالشاعر العجب عند قوله :