السيد محسن الأمين
27
أعيان الشيعة
من أن تراه ، فأنشأ كثير : رأت رجلا أودى السفار بجسمه * فلم يبق الا منطق وجناجن فتابعت قطام : لله درك ما عرفت الا بعزة تقصيرا بك ، فأجاب : والله لقد سار لها شعري وطار بها ذكري وانها لكما قلت فيها : وان خفيت كانت لعينك قرة * وان تبد يوما لم يعمك عارها من الخفرات البيض لم تر شقوة * وفي الحسب المحض الرفيع نجارها فما روضة بالحزن طيبة الثرى * يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من فيها إذا جئت طارقا * وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها فقالت له : والله ما سمعت شعرا أضعف من شعرك هذا . والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها ثم استطردت : ألا قلت كما قال أمرؤ القيس : ألم تراني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب عبقرية هذه المرأة انها استطاعت أن تقلب الحديث عن الجريمة التي ارتكبتها بحق أنبل انسان عرفه التاريخ ، إلى الشعر ، وقد خفيت هذه الحيلة على كثير ، وقبل أن يدخل في موضوع لم يكن على استعداد لخوضه ، فلحقته الهزيمة ، والذي نعتقده أن هذا هو السبب الوحيد في تفوق قطام عليه . الذي رواه الرواة عنه انه مر في بعض الأزمات التي تتطلب ذكاء حادا ، ونظرة نفاذة ومن ذلك ما قيل عن لقاء بين عزة وبثينة رأتا في أثنائه كثيرا مقبلا على الخيمة ، فطلبت بثينة من عزة أن تختفي حتى تقوم بامتحان له ، فوافقت عزة على الامتحان ، واختفت ، وما ان وصل حتى ألقت عليه بثينة نظرة من تلك النظرات الفاتنة ، فقال : رمتني على عمد بثينة بعد ما * تولى شبابي ، وأرجحن شبابها بعينين نجلاوين لو رقرقتهما * لنوء الثريا لاستهل سحابها وقبل أن يتم ظهرت عزة ، فبقي مستمرا ، ولم يتعتع : ولكنما ترمين نفسا مريضة * لعزة منها صفوها ولبابها فعلى أي شئ يدل هذا التخلص المدهش ؟ وهل يستطيع واحد غبي أن يزوع هذا الزوغان ، أو يفلت من الشبك المنصوب هذه الفلتة ؟ اللحظة مشحونة بما يبعث الارتباك والقلق ، ومع ذلك ظل الشعر ماشيا وكان الشبك غير موجود ، وذلك يدل على أن الرجل أبعد ما يكون عن الغباء . ولم يكن إخفاقه مع قطام إلا لأن ذهنه كان مشغولا في موضوع غير الموضوع الذي دخل فيه ، وهذا هو السر في هزيمته . على أن النقد الذي وجهته قطام إلى الأبيات السابقة ، نقد مهلهل يدل على جهل بالشعر وجوهره . ان الطيب الذي جعلت منه قطام نقطة الانطلاق ، كان أبعد ما يكون عما فهمته ، فقد فهمت أن الرائحة الطيبة التي تفوح من عزة كانت آتية من المندل الرطب لا من ذاتها . فهل تدل الأبيات على هذا الشئ الذي فهمته قطام ؟ الشاعر لم يتحدث عن عزة ، عندما ذكر الطيب ، وانما تحدث عن فمها ولم تكن الروضة التي يمج جثجاثها الندي بأطيب من عزة ، بل من فمها ، فأي علاقة لهذا الفم بايقاد النار بالمندل الرطب ؟ لقد تمت الفكرة عند قوله بأطيب من فيها وما جاء بعده يشير أو ربما يشير إلى نوع من الترف . فالمندل الرطب من الأعواد الغالية ، والتي توقد نارها به لا بد وأن تكون على جانب من النعيم . والذي نراه أن المندل الرطب يقترب من نؤوم الضحى عند امرئ القيس التي تدل على النعيم والبلهنية ، لا ما فهمته قطام ، وردت عليه ذلك الرد الذي ظنت أنها انتصرت فيه إلى الأبد . ونقد ثالث تعرض له الشاعر . وقد كانت عزة نفسها هذه المرة هي الناقدة ، وابتدأ النقد بالموازنة بينه وبين الأحوص ، وكان رأيها أن الأحوص ألين جانبا منه ثم كانت الأمثلة حتى انتهت إلى قول كثير فيها : وددت ، وبيت الله ، انك بكرة * هجان وأني مصعب ثم نهرب كلانا به عر فمن يرنا يقل * على حسنها جرباء تعدي وأجرب نكون لذي مال كثير مغفل * فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب إذا ما وردنا منهلا صاح أهله * علينا ، فما ننفك ننفى ونضرب وإذا أخذت هذه الأبيات مجردة عن ظروفها ، كانت في الواقع أمنية من أغرب الأماني التي عرفها تاريخ العشاق . ولكن النظرة تتغير أو قد تتغير إذا أخذت الظروف بعين الاعتبار . فما الظروف التي تدل عليها الأبيات ؟ الظروف تتعلق بالحياة الاجتماعية ، فالناس في كل وقت يحبون ، ويمر معظمهم إن لم يكن كلهم بالتجربة ، ولكن حتى هؤلاء الذين تختلج قلوبهم بالعواطف ينكرون على العشاق لقاءهم ، ويرون فيه تحديا للمجتمع وقوانينه المقدسة . والحب يصل أحيانا إلى درجة الغليان ، فإذا بلغ هذا المستوى طلب الاطفاء واللقاء نوع من الماء البارد ، ولكن العيون لا تلبث أن تتحرك ، وتحرك فيها الغمزات ، وتتحرك معها الرقابة الشديدة ، والكلمات الواشية النمامة . وقد عبر عن شئ من هذه الظاهرة عروة : إذا ما جلسنا مجلسا نستلذه * تواشوا بنا حتى أمل مكاني وإذا كانت الوشاية تطارد عروة هذه المطاردة ، وتجعله يتأفف ويدعو إلى الوشاة ، فالذي لا ريب فيه أن الذي طارد كثيرا أكثر من وشاية ، وأكثر من مضايقة حتى تمنى تلك الأمنية الغريبة . في الناس من يستطيع أن يتحدى المجتمع ، ويسخر من قوانينه إذا كان وراءه الجاه والمال والقوة ، ولا يستطيع الناس أن يعملوا له شيئا . فقد تحداه أمرؤ القيس ، مثلا ، وتحدث عن النساء أحاديث غير لائقة ، ولم يستطع المجتمع ، على تزمته في عصره ، أن يرميه بحجر ، لأن وراء ملكا وبلاطا وجاها عريضا . وتحداه بعد امرئ القيس عمر بن أبي ربيعة ، وتطاول حتى على بنات الملوك والأمراء ، وظل آمنا ، أما كثير وأمثاله فلم يكن لهم هذا الجبروت والعز ولذلك كان المجتمع يحاسبه حتى على اللقاء