الجاحظ

75

البخلاء

والمساكين ، وخدمت الخلفاء والمكدّين ، وخالطت النسّاك والفتّاك « 1 » وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر ، وحلبت الدهر أشطره « 2 » وصادفت دهرا كثير الأعاجيب ، فلو لا أني دخلت من كل باب ، وجريت مع كل ريح ، وعرفت السراء والضرّاء « 3 » ، حتّى مثّلث لي التجارب عواقب الأمور ، وقرّبتني من غوامض التدبير ، لما أمكنني جمع ما أخلَّفه لك ، ولا حفظ ما حبسته عليك ، ولم أحمد نفسي على جمعه ، كما حمدتها على حفظه ، لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس « 4 » ، قد حفظته عليك من فتنة البناء ، ومن فتنة النساء ، ومن فتنة الثناء ، ومن فتنة الرياء « 5 » ، ومن أيدي الوكلاء ، فإنهم الداء العياء « 6 » . ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك ، ولكن بفضل بغضي للقاضي . إن اللَّه ، عزّ وجلّ ، لم يسلَّط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد ، لأن أباه ، إن كان غنيا قادرا ، أحبّ أن يريه غناه وقدرته ، وإن كان فقيرا عاجزا ، أحبّ أن يستريح من شينه ومن حمل مؤونته ، وإن كان خارجا من الحالين ، أحبّ أن يستريح من مداراته ، فلا هم شكروا من جمع لهم ، وكفاهم ، ووقاهم ، وغرسهم ، ولا هم صبروا على من أوجب اللَّه حقّه عليهم . والحقّ لا يوصف عاجله بالحلاوة ، كما لا يوصف عاجل الباطل بالمرارة . فإن كنت منهم ، فالقاضي لك ، وإن لم تكن منهم فاللَّه لك . فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك ، وصرت الحافظ على غيرك . وإن خالفت سبيلي صار

--> « 1 » الفتاك : الشجعان . « 2 » أي انه تعامل مع الدهر فعرف خيره وشره . « 3 » السراء والضراء : الخير والشر ، ما يسر وما يؤذي . « 4 » الكيس : الكياسة ، أي اللطف والظرف . « 5 » الرياء : الكذب والخداع . « 6 » الداء العياء : المرض العضال .