الجاحظ
67
البخلاء
وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا أو كلاما غير معرب ، ولفظا معدولا عن جهته فاعملوا أنّا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغّض هذا الباب ، ويخرجه من حدّه إلا أن ما حكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء ، وأشحّاء العلماء ، كسهل بن هارون ، وأشباهه . أحمد بن خلف اليزيدي : ومن طيّاب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي « 1 » . ترك أبوه في منزله ، يوم مات ، ألف ألف درهم ، وستمائة ألف درهم ، ومائة وأربعين ألف دينار . فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه ، فأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم ، وسبعين ألف دينار ، ذهبا عينا مثاقيل « 2 » وازنة جيادا ، سوى العروض « 3 » . فقلت له ، وقد ورث هذا المال كله : ما بطَّأ بك الليلة ؟ قال : لا واللَّه إلا أنّي تعشيت ، البارحة ، في البيت . فقلت لأصحابنا : لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته ، وإن ذلك لغريب منه ، لما احتاج إلى هذا الاستثناء ، وإلى هذه الشريطة . وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم ؟ وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة : لا واللَّه إلا أن فلانا حبسني ، لا واللَّه إلا أن فلانا عزم عليّ . فأما ما يستثنى ويشترط ، فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه ، من قبل . وقال لي مبتدئا مرة ، عن غير مشورة وعن غير سبب جرى : أنظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثّة « 4 » ، فإنها عظيمة
--> « 1 » يبدو أنه من أصحاب الجاحظ . « 2 » مثاقيل : أوزان . « 3 » العروض : المتاع . « 4 » المثلثة : ربما انه يعني فيها طعاما مركبا من ثلاث مواد .