الجاحظ
56
البخلاء
وكنّا ، كما قد علمت ، نخبز في كل يوم مرّة ، فإذا اجتمع من ذلك مكوك « 1 » بعته . فقال لها زوجها : ثبّت اللَّه رأيك وأرشدك ، وفقد أسعد اللَّه من كنت له سكنا « 2 » ، وبارك لمن جعلت له إلفا . ولهذا وشبهه قال رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « من الذود « 3 » إلى الذود إبل » . وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح ، وسلى مذهبك المحمود . وما فرحي بهذا منك بأشدّ من فرحي بما يثّبت اللَّه بك في عقبي « 4 » من هذه الطريقة المرضية . فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها ، وصلَّوا عليها . ثم رجعوا إلى زوجها فعزّوه على مصيبته ؛ وشاركوه في حزنه . درهم على درهم : ثم اندفع شيخ منهم فقال : « يا قوم لا تحقّروا صغار الأمور ، فإن أول كل كبير صغير ، ومتى شاء اللَّه أن يعظَّم صغيرا عظَّمه ، وأن يكثر قليلا كثّره . وهل بيوت الأموال الا درهم على درهم ؟ وهل الدرهم إلا قيراط إلى جنب قيراط ؟ أوليس كذلك رمل عالج « 5 » وماء البحر ؟ وهل اجتمعت أموال بيوت الأموال إلا بدرهم من ههنا ، ودرهم من ههنا ؟ قد
--> « 1 » مكوك : مكيال يسع ضعف رطل إلى ثماني أواق . « 2 » سكنا : اي كنت له عشيرا يستأنس بك . « 3 » الذود : ما بين الاثنين والتسع . أو ما بين الثلاث والعشر من الإبل . وقوله في المثل : « من الذوذ إلى الذودابل » يريد به القليل من الإبل ؛ اي إذا أضيف القليل إلى القليل يصير المجموع كثيرا . « 4 » عقبي : من سوف يعقبني ؛ اي الولد وولد الولد . « 5 » رمل عالج : جبال عالية تتصل بالصحراء وتتسّع اتساعا كثيرا حتى قيل : رمل عالج يحيط بأكثر أرض العرب .