الجاحظ
44
البخلاء
المشاركة في طبخ اللحم : وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا ، فتناهدوا « 1 » وتلازموا في شراء اللحم ، فإذا اشتروا اللحم قسموه ، قبل الطبخ ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة « 2 » أو بخيط ، ثم أرسله في خلّ القدر والتوابل . فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه ، وقد علَّمه بعلامة ثم اقتسموا المرق ، ثم لا يزال أحدهم يسلّ من الخيط ، القطعة بعد القطعة ، حتى يبقى الحبل لا شيء فيه . ثم يجمعون خيوطهم . فإن أعادوا الملازمة ، أعادوا تلك الخيوط ، لأنها قد تشرّبت الدسم فقد رويت . وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة ، ولكن لأن بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده ، ولأن المؤونة تخفّ أيضا ، والحطب والخلّ والثوم والتوابل ، ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر وإنما يختارون السكباج « 3 » لأنها تبقى على الأيام ، وأبعد من الفساد . قصة مقلى الخراساني : حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظَّام « 4 » قال : قلت مرة لجار كان لي ، من أهل خراسان : « أعرني مقلاكم ، فإني أحتاج إليه » قال : « قد كان لنا مقلى ، ولكنه سرق » . فاستعرت من جار لي آخر . فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش « 5 » اللحم في المقلى ، وشمّ الطباهج « 6 » ،
--> « 1 » تناهدوا : ترافقوا . « 2 » خوصة : ورقة النخل . « 3 » السكباج : لفظة فارسية معربة . لحم يطبخ بالخل والتوابل . « 4 » هو أحد كبار المعتزلة ، وله فرقة تسمى النظامية ، مات سنة 845 م . « 5 » نشيش : صوت غليان الماء أو غيره . « 6 » الطباهج : اللحم المشرح .