الجاحظ

34

البخلاء

تكون في الدار ، إن احتيج إليها استعملت ، وإن استغني عنها كانت عدّة » . وقد قال الحضين بن المنذر « 1 » : « وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء » . قيل : « فما ينفعك من ذلك » ؟ قال : « لكثرة من يخدمني عليه » . وقال أيضا : « عليك بطلب الغنى ، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ في قلبك ، وشبهة في قلب غيرك ، لكان الحظ فيه جسيما ، والنفع فيه عظيما » . ولسنا ندع سيرة الأنبياء ، وتعليم الخلفاء ، وتأديب الحكماء ، لأصحاب الأهواء . كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج . وقالوا : « درهمك لمعاشك ، ودينك لمعادك » . فقسّموا الأمور كلها على الدين والدنيا ، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع ، الدرهم . وقال أبو بكر الصديق رحمة اللَّه عليه ورضوانه : « إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم » ، وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين « 2 » . وكان هشام يقول : « ضع الدرهم على الدرهم ، يكَّون مالا . ونهى أبو الأسود الدؤلي « 3 » ، وكان حكيما أديبا ، وداهيا أريبا ، عن وجودكم هذا المولَّد ، وعن كرمكم هذا المستحدث ، فقال لابنه : « إذا بسط اللَّه لك في الرزق فابسط ، وإذا قبض فاقبض « 4 » ، ولا تجاود « 5 » اللَّه ، فإن اللَّه أجود منك » . وقال : « درهم من حلّ يخرج في حق ، خير من عشرة آلاف قبضا » . وتلقّط عرجدا « 6 » من برم فقال : « تضيعون مثل هذا ، وهو قوت امرئ مسلم يوما إلى الليل » ؟ ! وتلقط أبو الدرداء حبّات حنطة ، فنهاه بعض المسرفين ، فقال : « إيها ، ابن العبسية ، إن فقه المرء رفقه في معيشته » .

--> « 1 » الحضين بن المنذر : هو أبو ساسان أحد التابعين . « 2 » اللحمين : آكلي اللحم . « 3 » أبو الأسود الدؤلي : أول من وضع النقاط والحركات للقرآن الكريم . « 4 » اقبض : لا تسرف . « 5 » لا تجاود : لا توازيه أو تغالبه في الجود والعطاء . « 6 » عرجد : أصل العذق اليابس .