الجاحظ
31
البخلاء
وقد علمنا أن الجديد في موضعه دون الخلق ؛ وقد جعل اللَّه عزّ وجلّ لكل شيء قدرا وبوّأ له موضعا ، كما جعل لكل دهر رجالا ، ولكل مقام مقالا ؛ وقد أحيا بالسمّ ، وأمات بالغذاء ، وأغصّ بالماء ، وقتل بالدواء . فترقيع الثوب يجمع ، مع الإصلاح التواضع ، وخلاف ذلك يجمع ، مع الإسراف ، التكبر . وقد زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين ، وقد جبر الأحنف يد عنز ، وأمر بذلك النعمان . وقال عمر : من أكل بيضة فقد أكل دجاجة ، وقال رجل لبعض السادة : أهدي إليك دجاجة ، قال : إن كان لا بدّ فاجعلها بيّاضة . وعد أبو الدرداء « 1 » العراق « 2 » جزر البهيمة « 3 » . وعتموني حين قلت : « لا يغترّنّ أحد بطول عمره ، وتقوّس ظهره ، ورقة عظمه ، ووهن « 4 » قوته ، أن يرى أكرومته ، ولا يخرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه ، وتحويله إلى ملك غيره ، وإلى تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ، فلعلَّه أن يكون معمرّا ، وهو لا يدري ، وممدودا له في السن وهو لا يشعر ؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس ، أو يحدث عليه بعض مخبّات الدهور ، مما لا يخطر على البال ، ولا تدركه العقول ، فيستردّه ممن لا يرّده ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان عن الطلب وأقبح ما يكون به الكسب » . فعبتموني بذلك ، وقد قال عمرو بن العاص : « اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا ، واعمل لآخرتك من يموت غدا » « 5 » . وعبتموني حين زعمت أن التبذير إلى مال القمار ، ومال الميراث ،
--> « 1 » أبو الدرداء : هو عويمر بن مالك الخزرجي ، أحد الصحابة . « 2 » العراق : العظم اكل لحمه . « 3 » جزر البهيمة : لحمها . « 4 » وهن : ضعف . « 5 » ومثل هذا القول يروى عن الإمام علي بن أبي طالب ، كرّم اللَّه وجهه .