الجاحظ

303

البخلاء

وهذا الباب يكثر ويطول ، وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات . فإن أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية « 1 » . فإنه هناك مستقصى . والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا نبح ، فيجاوبه الكلب ، فيتبع صوته . ولذلك قال الشاعر : ومستنج أهل الثرى يطلب القرى الينا وممساه من الأرض نازح « 2 » وقال الآخر : عوى حدس والليل مستحلس الندى لمستنبح بين الرميثة والحضر « 3 » ويدلَّك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب قول حميد الأرقط : وعاو عوى والليل مستحلس الندى وقد ضجعت للغور تالية النجم « 4 » فمنهم من يبرز كلبه ليجيب ، ومنهم من يمنعه ذلك . قال زياد الأعجم ، وهو يهجو بني عجل : وتكعم كلب الحيّ من خشية القرى وقدرك كالعذراء من دونها ستر « 5 » وقال آخر : نزلنا بعمّار فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل « 6 » فقلت لأصحابي ، أسرّ إليهم : إذا اليوم أم يوم القيامة أطول ؟

--> « 1 » الكتاب للجاحظ . « 2 » أهل الثرى : أصحاب الغنى . « 3 » حدس : اسم كلب . ومستحلس الندى : ملازم الأمطار . الرمثية والحضر : موضعان . « 4 » ضجعت : غابت . تالية النجم : ما يأتي بعدها . « 5 » تكعم : تشد . خشية القرى : مخافة معرفة الذين يأكلون . « 6 » اشلى كلابه : حاول ايهامها للتضليل .