الجاحظ

247

البخلاء

أرى كلّ قوم يمنعون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم « 1 » أخوهم ما دارت الكأس بينهم وكلهم رث الوصال سؤوم « 2 » فهذا بياني لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد ، فأما اليوم فقد استوى الناس . قال الأضبط بن قريع « 3 » ، لَّما انتقل في القبائل ، فأساؤوا جواره ، بعد أن تأذّى ببني سعد : « بكل واد بنو سعد » . خذ بقولي ، ودع قول أبي العاص . وخذ بقول من قال : « عشّ ولا تغترّ » ، ويقول من قال : « لا تطلب أثرا بعد عين » ، ويقول من قال : « املأ حبّك من أول مطرة » و « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . أخوك من صدقك ومن أتاك من جهة عقلك ، ولم يأتك من جهة شهوتك . وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك ، ولم تأمن لائمته إياك في غدك . وقال الآخر : إن أخاك الصدق من لم يخدعك ومن يضير نفسه لينفعك « 4 » وقد قال عبيد بن الأبرص : « 5 » وأعلمن علما يقينا أنه ليس يرجى لك من ليس معك ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وعين من عقلك على طباعك « 6 » ، أو ما كان لك أخ نصيح ووزير شفيق ، والزوجة الصالحة عون صدق . والسعيد من وعظ بغيره . فإن أنت لم ترزق من هذه الخصال خصلة واحدة ، فلا بدّ لك من نكبة موجعة يبقى أثرها ، ويلوح لك ذكرها ، ولذلك

--> « 1 » الحريم : ضد الحلال . ما منع . « 2 » انك أخوهم في ساعات الفرح واللهو والكأس . وإذا ما خلا وقت الشراب فهم لا يخلصون . « 3 » من شعراء الجاهلية . « 4 » أخوك من صدقك واخلص لك وآثرك على نفسه ، فضرّها ليفيدك . « 5 » هو عبيد اللَّه بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدي ، جاهلي . من حكمائهم وشعرائهم . عمّر طويلا حتى قتله النعمان بن المنذر . « 6 » عين : حارس . أي أن يراقب العقل النفس ويشرف على الطباع .