الجاحظ

24

البخلاء

يكمل لما تريده ، ولا يجوز أن يوفى حقّه ، كما ينبغي له . لأنّ ههنا أحاديث كثيرة ، متى اطلعنا منها حرفا عرف أصحابها ، وإن لم نسمّهم ، ولم نرد ذلك بهم وسواء سميّناهم ، أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم ، منهم الصديق والوليّ والمستور والمتجمّل ، وليس يفي حسن الفائدة لكم ، بقبح الجناية عليهم . فهذا باب يسقط البتّة ، ويختلّ به الكتاب لا محالة ، وهو أكثرها بابا ، وأعجبها منك موقعا . وأحاديث أخر ليس لها شهرة ، ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها ، ولا هي مقيّدة أصحابها ، وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن يعرف أهلها ، وحتى تتصل بمستحقها ، وبمعادنها ، واللائقين بها ؛ وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها ، سقوط نصف الملحة « 1 » ، وذهاب شطر النادرة . ولو أن رجلا ألزق نادرة « بأبي الحارث جمّين » « 2 » ، « والهيثم بن مطهر » « 3 » ، و « بمزبّد » « 4 » ، و « ابن أحمر » « 5 » ، ثم كانت باردة ، لجرت على أحسن ما يكون . ولو ولَّد نادرة حارّة في نفسها ، مليحة في معناها ، ثم أضافها إلى « صالح بن حنين » « 6 » والى « ابن النواء » « 7 » ، والى بعض البغضاء ، لعادت باردة ، ولصارت فاترة ، فان الفاتر شرّ من البارد . وكما أنك لو ولَّدت كلاما في الزهد ، وموعظة الناس ، ثم قلت : هذا

--> « 1 » الملحة : النادرة اللذيذة . « 2 » من أصحاب النكات والنوادر . « 3 » وهو أحد أصحاب المزاح ، وقد لقّب بالفأفاء . « 4 » مزبّد : هو أبو إسحاق المدني . « 5 » ابن أحمر : أحد الرجال المشهورين بالنوادر والأخبار . « 6 » صالح بن حنين : أحد الرجال المشهورين أيضا ببرودة النكتة وسخافتها . « 7 » ابن النواء : من الرافضة .