الجاحظ

223

البخلاء

فيه حيلة . وكل متلَّون في الأرض فمنحل العقد ، ميسّر لكل ربح . فدع عنك خلطة الإمّعة ، فإنه حارض « 1 » لا خير فيه ، واجتنب ركوب الجموع فإن غايته قبل الذواق . ولا خير في المتلوّن ذي البدوات ، ولا في الحرون « 2 » ذي التصميم . والمتلوّن شرّ من المصمم ، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها ، ولا جهة يعمل عليها . ولذلك صار العاقل يخدع العاقل ، ولا يخدع الأحمق ، لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة ، وطرق خواطره مسلوكة ، ومذاهبه محصورة معدودة ، وليس لتدبير الأحمق وحيلة جهة واحدة ، ومن أخطأها كذب ، والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد ، والخبر الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد ، ولا يوقف منه على حد . والمصمم قتله بالإجهاز ، والمتلوّن قتله بالتعذيب . فإن قلنا فليس إليه نقصد ، وإن احتججنا فلسنا عليه نرد . ولكنا إليك نقصد بالقول ، وإليك نريد بالمشورة . وقد قالوا : « إحفظ سرّك ، فإن سرّك من دمك » . وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك . قال المنجاب العنبري : « ليس بكبير ما أصلحه المال » . وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور ، ولهذا قالوا في الإبل : « لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم « 3 » » ، فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون . وقد قضوا بأن حفظ المال أشدّ من جمعه . ولذلك قال الشاعر : وحفظك مالا قد عنيت بجمعه أشد من الجمع الذي أنت طالبه

--> « 1 » الحارض : المواظب ، المداوم . « 2 » الحرون : الدابة تعصي صاحبها . « 3 » رقوء الدم : انقطع جريانه . اي انها تدفع بها ديات القتلى ، فيعرض صاحب الثأر عن طلبه فيحقن دم القاتل .