الجاحظ
212
البخلاء
أكلب « 1 » ، لأنهم أقلّ توكَّلا وأ سوأ باللَّه ظنا . والجواد إما أن يكون متوكَّلا ، وإما أن يكون أحسن باللَّه ظنا . وهو على كل حال بالمتوكل أشبه ، وإلى ما أشبهه أنزع « 2 » ، وكيفما دار أمره ، ورجعت الحال به ، فليس ممّن يتّكل على حزمه ، ويلجأ إلى كيسه « 3 » ، ويرجع إلى جودة احتياطه ، وشدّة احتراسه . واعتلال البخيل بالحدثان « 4 » ، وسوء الظنّ بتقلَّب الزمان ، إنما هو كناية عن سوء الظنّ بخالق الحدثان وبالذي يحدث ، وأهل الزمان . وهل تجري الأحداث إلَّا على تقدير المحدث لها ، وهل تختلف الأزمنة « 5 » إلَّا على تصريف من دبّرها ؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابها ، فقد أيقّنا بأنها تجري إلى غاياتها ؟ والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر ، وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم أو طبيعة فيهم ، إنك قد تجد الملك بخيلا ، ومملكته أوسع ، وخرجه أدرّ « 6 » ، وعدوة أسكن ، وتجد أحزم منه جوادا ، وإن كانت مملكته أضيق ، وخرجه أقل ، وعدوّه أشدّ حركة . وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس فكرة وروية ، وأذهلهم عن معرفة العاقبة . فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم « 7 » ونقص عقولهم وقلة معرفتهم ، لكان ينبغي لفارس أن تكون أبخل من الروم ، وتكون الروم أبخل من الصّقالبة « 8 » . وكان ينبغي للرجال ، في الجملة ، أن يكونوا
--> « 1 » الجوائح عليهم اكلب : الجوائح : البلايا . اكلب : أقوى وأشد . « 2 » الضمير في أشبهه يعود إلى المتوكّل . انزع : نزوع النفس إلى شيء ميلها اليه . « 3 » يحكم عقله وفطنته . « 4 » الحدثان : ويلات الدهر . والمعنى : إصطناع العلل والأعذار . « 5 » تبدّل الأحوال وتقلبها . « 6 » الخرج : الغلة . أدر : أكثر وفرة . من درّ . « 7 » كلال الحد : أصله في السيف والسكين . والمراد هنا ضعفهم وقلة فطنتهم . « 8 » الصقالبة : جيل تتاخم بلادهم بلاد الخزر في الروسيا . وبحر الخزر وهو بحر قزوين . والصقالبة يسمون اليوم بالسّلاف .