الجاحظ

210

البخلاء

ويبغضون ، بفضل بغضه « 1 » ، ولده ، ويحتقرون ، بفضل احتقارهم له ، رهطه ، ويضيفون اليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه ، ومن غرائب البخل ما لم يفعله ، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء ، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء . وعلى أنا لا نجد الجوائح « 2 » إلى أموال الأسخياء أسرح منها إلى أموال البخلاء ، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقلّ . والبخيل عن الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط ، فقد يستحق عندهم اسم البخل ، ويستوجب الذمّ ، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه ، ولا حاجة إلا قضاها ، ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايتها . وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان زاهدا في كلّ ما أوجب الشكر ، ونوّه بالذكر ، وأذخر الأجر . وقد يعلَّق « 3 » البخيل على نفسه من المؤن ، ويلزمها من الكلف ، ويتّخذ من الجواري والخدم ، ومن الدّواب والحشم ، ومن الآنية العجيبة ، ومن البزّة الفاخرة والشارة الحسنة ، ما يربي « 4 » على نفقة السخيّ المثري ، ويضعف على جود الجواد الكريم . فيذهب ماله وهو مذموم ، ويتغير حاله وهو ملوم . وربما غلب عليه حبّ القيان « 5 » ، واستهتر بالخصيان « 6 » ، وربما أفرط في حبّ الصيد ، واستولى عليه حبّ المراكب . وربما كان اتلافه في العرس والخرس « 7 »

--> « 1 » بفضل بغضه : بسبب زيادة بغضه . « 2 » الجوائح : جمع جائحة : الآفة . « 3 » يعلَّق : يكلف نفسه . « 4 » ما يربي : ما يزيد . « 5 » القيان : مفردها القينة : الأمة البيضاء مغنية أم غير مغنية . « 6 » استهتر بالخصيان : استهتر : أولع بهم . الخصيان : جماعة من الرقيق يستخدمون في دور النساء خاصة . ويقال إن معاوية أول من اتخذ الخصيان لخدمته . « 7 » الخرس : وليمة تقام احتفاء بالولادة .