الجاحظ

21

البخلاء

لكان الشحم إلى البهيمة أسرع ، وعن ذات العقل والهمّة أبطأ ؛ ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن ، فلذلك البهيمة تقنو « 1 » شحما في الأيام اليسيرة ، ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة . ومتوقع البلاء في البلاء ، وأن سلم منه ، والغافل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء . ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصوّرة في كتابي الذي سمّي « كتاب المسائل » « 2 » لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب . فأما ما سألت من احتجاج الأشحّاء ، ونوادر أحاديث البخلاء ، فسأوجدك ذلك في قصصهم ، إن شاء اللَّه تعالى ، مفرّقا وفي احتجاجهم مجملا ، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي ، دون ما انتهى إليّ من أخبارهم ، على وجهها . وعلى أن الكتاب أيضا يصير أقصر ، ويصير العار فيه أقل . ونبتدىء برسالة « سهل بن هارون » ثم بطرف أهل « خراسان » ، لإكثار الناس في أهل خراسان . ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء : تبيّن حجّة طريفة ، أو تعرّف حيلة لطيفة ، أو استفادة نادرة عجيبة . وأنت في ضحك منه ، إذا شئت ، وفي لهو ، إذا مللت الجدّ . وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ، ومحمود المغبّة « 3 » ، إذا وافق الموضع ، ولم يجاوز المقدار ، ولم يعدل عن الجهة ، ودليل على الرقة ، والبعد من القسوة ، وربما عدّ من الوفاء ، وشدّة الوجد على الأولياء . وهو من أعظم ما تقرب به العابدون ، واسترحم به الخائفون .

--> « 1 » تقنو : تحوي أو تملك . « 2 » كتاب المسائل : هو أحد كتب الجاحظ التي لم يبق منها إلا الضئيل « 3 » المغبة : العاقبة .