الجاحظ
208
البخلاء
وكان إدا سئل أعطى ، وإذا وعد أو أطمع ، كان وعده كالعيان ، وإطماعه كالانجاز . ومدحته الشعراء بالجود ، وذكرته الخطباء بالسماح . ولقد يهب للرجل الواحد الضاجعة « 1 » من الشاء ، والعرج « 2 » من الإبل . وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير ، فيقال وهب هنيدة « 3 » . وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح . ولقد وهب لرجل ألف بعير ، فلما رآها تزدحم في الوادي قال : « أشهد أنك نبيّ ، وما هذا مما تجود به الأنفس » . وفخرت هاشم على سائر قريش ، فقالوا : « نحن أطعم للطعام ، وأضرب للهام » وذكرها بعض العلماء ، فقالوا : « أجواد مجّاد ذوو ألسنة حداد » « 4 » . وأجمعت الأمم كلها ، بخيلها وسخيّها وممزوجها ، على ذمّ البخل وحمد الجود ، كما أجمعوا على ذمّ الكذب وحمد الصدق . وقالوا : « أفضل الجود الجود بالمجهود » . وحتى قالوا في جهد المقل « 5 » ، وفيمن أخرج الجهد ، وأعطى الكلّ ، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله ، فقال الفرزدق « 6 » : على ساعة لو كان في القوم حاتم على جوده ضنّت له نفس حاتم ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة « 7 » ، وقد
--> « 1 » الضاجعة : الغنم الكثيرة . « 2 » العرج من الإبل : ما بين السبعين إلى الثمانين . « 3 » الهنيدة : اسم للمائة من الإبل وكذلك هند . « 4 » هم كرام اعزاء ذوو سيوف حادة ضاربة . « 5 » اي العطاء بقدر الجهد والطاقة ، ولو كان المعطي مقلا . « 6 » الفرزدق : هو شاعر من شعراء العصر الأموي اسمه همّام بن غالب بن صعصعة ، من بني دارم لقبه الفرزدق ؛ اي قطعة العجين أو الرغيف الضخم . ولد في البصرة سنة 641 م ونشأ فيها . مال إلى التهتك والفحش والخلاعة . « 7 » كعب بن مامه : أحد أجواد العرب .