الجاحظ
206
البخلاء
غير لذة « 1 » . وهل يزيد حال من أنفق جميع ماله ، ورأى المكروه في عياله ، وظهر فقره وشمت به عدوّه ، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه ، وعلى بغض عياله « 2 » ، وعلى خشونة الملبس ، وجشوبة المأكل « 3 » وهذا كله مجتمع في مسك « 4 » البخيل ، ومصبوب على هامة « 5 » الشحيح ، ومعجّل للئيم ، وملازم للمنوع . إلا أن المنفق قد ربح المحمدة ، وتمنّع بالنعمة ، ولم يعطَّل المقدرة ، ووفى كل خصلة من هذه حقها ، ووفر عليها نصيبها ، والممسك معذب بحصر نفسه ، وبالكدّ لغيره ، مع لزوم الحجة ، وسقوط الهمّة ، والتعرّض للذم والإهانة ، ومع تحكيم المرّة السوداء في نفسه « 6 » ، وتسليطها على عرضه ، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه . ولقد سرى إليك عرق ، ولقد أدخل أعراقك خور « 7 » ، ولقد عمل فيها قادح ، ولقد غالها غول . وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف « 8 » ، ولا شيم أعرقت فيها قريش . ولقد عرض لك إقراف ، ولقد أفسدتك هجنة « 9 » . ولقد قال معاوية : « من لم يكن من بني عبد المطلَّب جوادا فهو جميل ، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو لزيق « 10 » ، ومن لم
--> « 1 » وما دمت على هذه الحال ، فأصبحت كمن يجلد على عمل لم يشعر بلذته . « 2 » اي على بغض عياله له . « 3 » جشوبة : غلط . « 4 » مسك : جلد . « 5 » هامة : رأس . « 6 » المرّة السوداء : خلط من أخلاط البدن . وهو المزاج المضطرب . « 7 » أي دخل إليك الضعف . « 8 » لا يعد هذا الشأن من عادات ثقيف واخلاقها . « 9 » أعرقت فيها : تأصلت فيها . الإقراف : أن تكون الأم عربية والأب غير عربي . الهجنة : من كانت أمه غير عربية . « 10 » لزيق : الغريب الطارىء ، الدخيل .