الجاحظ

204

البخلاء

في تحفظَّك قول سهل بن هارون في « الاستعداد في حال المهلة ، وفي الأخذ بالثقة ، وإن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة « 1 » ، وإن الحزم كل الحزم والصواب كل الصواب ، أن يستظهر على الحدثان « 2 » ، وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ردءا دون صروف الزمان ، فانّا لا ننسب إلى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة ، بأن نجعل دون فضولها جنّة . « 3 » » ، شاهد على عجبك بمذهبه ، وبرهان على ميلك إلى سبيله . وفي استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر أهل النار النساء والفقراء ، وأن أكثر أهل الجنّة البله والأغنياء ، وأن أرباب الدثور « 4 » هم الذين ذهبوا بالأجور « 5 » ، برهان على صحّة حكمنا عليك ، ودليل على صواب رأينا فيك . وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال : « تنعمّتم بالطعام الطيّب وبالثياب الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب ، وتنعمنا بعزّ الثروة وبصواب النظر في العاقبة ، وبكثرة المال والأمن من سوء الحال ، ومن ذلّ الرغبة إلى الرجال « 6 » والعجز عن مصلحة العيال ، فتلك لذّتكم ، وهذه لذتنا . وهذا رأينا في التسّلم من الذم ، وذاك رأيكم في التعرّض للحمد . وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال ، ويسرّ باللذات الصحيح الصادق الحسّ . فأما الفقير فما أغناه عن الحمد ، وأفقره إلى ما به يجد طعم

--> « 1 » اي الفرصة المناسبة والمدة الملائمة لجمع الأموال . « 2 » ان يتغلب على حدثان الدهر ؛ اي نوائبه . « 3 » الجنّة : الوقاية اي ان الحكمة تقضي بالمحافظة على المال وحمايته وهذا الأمر يستدعي الحزم والحرص . « 4 » الدثور : الكسلان ، الخامل . سبق شرحها . « 5 » الأجور : الواحد اجر وهو الثواب . « 6 » الرغبة هنا بمعنى السؤال . رغبت إلى فلان في موضوع ما ؛ اي سألته . فيكون التفسير : ومن ذل سؤال الرجال .