الجاحظ
199
البخلاء
قالوا : كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام ، وهو والي البصرة . فوصفوا له الإستنقاع « 1 » في السمن . فكان إذا فرغ من الجلوس فيه أمر ببيعه . فاجتنب الناس في تلك السنة أكل السمن . وكان يفطر الناس في شهر رمضان ، فكانوا يجلسون حلقا « 2 » ، وتوضع لهم الموائد ، فإذا أقام المؤذن نهض بلال إلى الصلاة ، ويستحي الآخرون . فإذا قاموا إلى الصلاة جاء الخبّازون فرفعوا الطعام . قالوا : واحتقن عمرو بن يزيد الأسدي « 3 » هو أحد الزعماء المشهورين في أيام الأمويين بحقنة فيها أدهان ؛ فلما حرّكته بطنه ، كره أن يأتي الخلاء فتذهب تلك الأدهان ، فكان يجلس في الطست ويقول : « صفوا هذا ، فإنه يصلح للسّراج » . قالوا : وخبرنا جار له ، قال : « رأيته يتخلل « 4 » من الطعام بخلال واحد شهرا ، كلما تغدّى حذف من رأسه شيئا ، ثم تخلَّل به ، ثم وضعه في مجرى دواته . وقالوا : كان ذراع الذرّاع مع خالد بن صفوان ، فوضعوا بين يديه دجاجة ، وبين يديه شيء من زيتون . فجعل يلحظ الدجاجة ، فقال : « كأنك تهم بها » ، قال : « ومن يمنعني » ؟ قال : « إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء » . قالوا : مدّ يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرّة السعدي ، فقال : « إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره » .
--> « 1 » الاستنقاع : جعله في الماء ليتبرّد . « 2 » حلقا : اي حلقات ، جماعات . « 3 » هو أحد الزعماء المشهورين في أيام الأمويين . « 4 » يتخلل من الطعام : يزيل ما بين أسنانه .