الجاحظ
193
البخلاء
لسعيد بن حاتم : « احذر النعمة كحذرك من المعصية ، ولهي أخوفهما عليك عندي » . وقال : « أحذّركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل » . وقال أكثم بن صيفي « 1 » : « ما أحبّ أني مكفّي كل أمر الدنيا » . قالوا : « وإن أسمنت وألبنت « 2 » » ؟ قال : « نعم أكره عادة العجز » . أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء وتأديب العرب ، وآخذ بقولك ؟ ! طرائف شتى وتغدّى محمد بن الأشعث « 3 » عند يحيى بن خالد ، فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن ، وفضل ما بين الانفاق وزيت الماء « 4 » . فقال محمد : « عندي زيت لم ير الناس مثله » . قال يحيى : « لا يؤتى منه بشيء » ؟ فدعا محمد غلامه فقال : « إذا دخلت الخزانة ، فانظر الجرّة الرابعة عن يمينك إذا دخلت ، فجئنا منه بشيء » . قال يحيى : « ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه » . وقرّب خبّاز أسد بن عبد اللَّه إليه ، وهو على خراسان ، شواء قد أنضجه نضجا . وكان يعجبه ما رطب « 5 » من الشواء ؛ فقال لخبّازه : « أتظنّ أن صنيعك يخفى عليّ ؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه ، ولكن تستحلب جميع دسمه ، فتنتفع بذلك منه » . فبلغت أخاه فقال : « ربّ جهل خير من علم » .
--> « 1 » أكثم بن صيفي : حكيم من حكماء العرب . أدرك البعث ، وخرج في مائة من قومه يريد الاسلام . مات في الطريق ولم ير النبي . « 2 » أسمنت وألبنت : أي كثر سمنك ولبنّك . « 3 » محمد بن الأشعث : هو أبو الأشعث محمد بن الأشعث المروزي الشاعر . كان منقطعا إلى آل طاهر . « 4 » الإنفاق : مكان تحت سطح الأرض يكون له مخرج من مكان آخر . « 5 » رطب : لينّ ، لم ينضج بعد .