الجاحظ
191
البخلاء
ورجل في الكلَّاء « 1 » . تطلب من هذا وقر « 2 » جصّ « 3 » ، ومن هزا وقر آجرّ ، ومن هذا قطعة ساج « 4 » ، ومن هذا هكذا . ما هذا الحرص ؟ وما هذا الكدّ ؟ وما هذا الشغل ؟ لو كنت شابا بعيد الأمل كيف كنت تكون ؟ ولو كنت مدينا كثير العيال كيف كنت تكون ؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار وتمشي حافيا نصف النهار » . قال : « كم أجمجم ؛ بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ ، فألححت في المسألة عنها ، فقيل لك أكلها السنّور ، فرميت بباقي القطعة قدّام السنّور ، لتمتحن صدقهم من كذبهم ، فلما لم يأكله ، غرّمتهم ثمن البطَّيخة كما هي . قالوا لك كان الليل ، فإن لا تكن التي أكلته من سنانير الجيران ، وكان الذي أكله سنورنا هذا ، فإنك رميت اليه بالقطعة وهو شبعان منه . فأنظرنا « 5 » ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه . فأبيت إلا إغرامهم » . قال : « ويلك إني واللَّه ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض الفساد . وقد قال زياد في خطبته « 6 » : « واللَّه إنّي ما أصل منكم إلى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضا » . وأما ما لمتني عليه آنفا فإنما ذهبت إلى قوله : « لو أن في يدي فسيلة ، ثم قيل لي إن القيامة تقوم الساعة ، لبادرتها فغرستها » . وقد قال أبو الدرداء « 7 » في وجعه الذي
--> « 1 » الكلاء : مرفأ السفن ، وساحل أو ضفة كل نهر . « 2 » الوقر : العبء الثقيل ، والحمل . « 3 » الجص ؛ الكلس . « 4 » ساج : نوع من الخشب ، لا ينبت إلا بالهند . « 5 » انظرنا : أي انتظرنا . « 6 » هو زياد بن أبيه . يريد بخطبته : « البتراء » المشهورة التي ألقاها لما قدم واليا إلى البصرة من قبل معاوية بن أبي سفيان . « 7 » أبو الدرداء : مر شرحه .