الجاحظ
178
البخلاء
أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة ، أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء » . فلما عرف براءة ساحة القوم ، تمشى اليه حافيا راجلا ، فقال : « ما يدعوك إلى القسمة والتمييز ؟ ادع صلحاء أهل المسجد الساعة ، حتى أشهدهم بأني وكيل لك في هذه الضياع . وحوّل كلّ شيء في منزلي إلى منزلك . وجرّب ذلك مني الساعة ، فإن وجدتني أروغ « 1 » وأعتّل ، فدونك « 2 » . فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي » . قال : « مالك من ذنب ، وما من القسمة من بد » . فأقام عنده يناشده إلى نصف النهار ، ثم أقام يومه ذلك إلى نصف الليل ، يناشده ويطلب إليه . فلما طال عليه الأمر ، وبلغ منه الجهد ، قال له : « حدّثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك ، وإحضارك الماء البارد ، وجمعك الناس على بابي في كل جمعة ، كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عميا . إنك إذا أطعمتهم اليوم البرنيّ « 3 » أطعمتهم غدا السكر ، وبعد غد الهلباثا « 4 » . ثم يصير ذلك بعد أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع ، ثم يتحوّل الرّطب إلى الغداء ثم يؤدي الغداء إلى العشاء . ثم تصير إلى الكساء ثم الأجداء « 5 » ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع . واللَّه إني لأرثي لبيوت الأموال ولخراج المملكة من هذا ، فكيف بمال تاجر جمعه من الحبّات والقراريط والدوانيق والأرباع والأنصاف ؟ » ؛ قال : « جعلت فداك تريد أن لا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ذلك ؟ وأخرى فلا واللَّه لا كلَّمتهم أبدا » . قال : إياك أن تخطىء مرّتين : مرّة في إطماعهم فيك ،
--> « 1 » اروغ : اخادع - اكذب . « 2 » دونك : أي لك ما تريد . أو إحذر ما أقول . « 3 » البرنيّ : من أنواع التمور . « 4 » الهلباثا : من التمور أيضا . « 5 » الأجداء : الواحد جدي : الصغير من أولاد المعزى .