الجاحظ
162
البخلاء
اختلابي « 1 » بتهوين الأمر عليه . وقلت : إن هذا كقول الرجل : يا غلام أطعمنا كسرة ، وأطعم السائل خمس تمرات . ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه . وما أظن أن أحدا يدعو مثلي إلى الخريبة « 2 » من الباطنة « 3 » ، ثم يأتيه بكسرات وملح . فلما صرت عنده ، وقرّبه إليّ ، إذ وقف سائل بالباب فقال : أطعمونا مما تأكلون ، أطعمكم اللَّه من طعام الجنّة . قال : بورك فيك . فأعاد الكلام ، فأعاد عليه مثل ذلك القول . فأعاد عليه السائل ، فقال : إذهب ، ويلك فقد ردوا عليك . فقال السائل : سبحان اللَّه ما رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة ، والطعام بين يديه . قال إذهب ويلك ، وإلا خرجت إليك ، واللَّه ، فدققت ساقيك . قال السائل : سبحان اللَّه ، ينهي اللَّه أن ينهر « 4 » السائل ، وأنت تدق ساقيه ؟ فقلت للسائل : إذهب وأرح نفسك ، فإنك لو تعرف من صدق وعيده مثل الذي أعرف ، لما وقفت طرفة عين ، بعد ردّه إيّاك . أبو يعقوب الدقنان وكان أبو يعقوب الدقنان « 5 » يقول : ما فاتني اللحم منذ ملكت المال . وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم ، واشترى بصلا بدانق « 6 » ، وباذنجانا بدانق ، وقرعة بدانق ، فإذا كان أيام الجزر فجزرا
--> « 1 » اختلابي : يريد الاحتيال علي . « 2 » الخريبة : ربما يعني البيوت المهدمة أو المخربة . ووردت في نسخة أخرى « الحربية » ومعناها هنا : محلة ببغداد بناها حرب بن عبد اللَّه قائد الخليفة المنصور . « 3 » الباطنة : مجتمع من الأسواق والبيوت بين البصرة والكوفة . « 4 » ينهر : يزجر ، يمنع بشدة . « 5 » ووردت في نسخة أخرى « الذقناني » . « 6 » دانق : سدس الدرهم سبق شرحها .