الجاحظ
152
البخلاء
أمّه ، ومعها كوز « 1 » فارغ ، فقالت : « قالت أمك : بلغني أنّ عندك مزمّلة « 2 » ، ويومنا يوم حارّ ، فابعث إليّ بشربة منها في هذا الكوز » قال : « كذبت ! أمي أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونردّه ملآن . إذهبي فاملئيه من ماء حبّكم ، وفرّغيه في حبنا « 3 » ، ثم املئيه من ماء مزمّلتنا ، حتى يكون شيء بشيء » . وقال المكَّي : فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر ، وعرضا بعرض ، حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحرّ ، فأما عدد الجواهر والأعراض ، فمثلا بمثل . وقال المكَّيّ : دخلت عليه يوما ، وإذا عنده جلَّة « 4 » تمر ، وإذا ظئره « 5 » جالسة قبالته فكلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها ، فأخذتها فمصّتها ساعة ثم عزلتها . فقلت للمكي : أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا ؟ قال : واللَّه لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتّها ، فصاح بها صيحة ، لو كانت قتلت قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك . وما كانت إلا في أن تبادله الإعراض وتسلَّم إليه الجوهر . وكانت تأخذ حلاوة النواة ، وتودعها ندوة الريق . طرائف أبي قطبة : قال الخليل : كان أبو قطبة يستغلّ ثلاثة آلاف دينار . وكان من البخل يؤخرّ تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد ، وسيل المتاعب ،
--> « 1 » كوز : إبريق إناء من فخار . ( معربة ) . « 2 » مزمّلة : جرة أو خابية خضراء في وسطها ثقب . « 3 » حبنا : خابيتنا - جرّتنا . « 4 » جلة تمر : قفة كبيرة للتمر أو غيره : جمعها جلل . « 5 » الظئر : الأنثى العاطفة على ولد غيرها .